تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
المحمّديّة لتعلم ما فيه فتلحق بصاحبه تشريفا لها . فأثنى اللّه عليه - أعني على أيّوب - بالصّبر مع دعائه في رفع الضّرّ عنه . فعلمنا أنّ العبد إذا دعا اللّه في كشف الضّرّ عنه لا يقدح في صبره . وأنّه صابر وأنّه نعم العبد كما قال تعالى :
إِنَّهُ أَوَّابٌ *
أي رجّاع إلى اللّه لا إلى الأسباب ، والحقّ يفعل عند ذلك بالسبب لأنّ العبد يستند إليه ، إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة والمسبّب واحد العين . فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسّبب ذلك الألم أولى من الرّجوع إلى سبب خاصّ ربّما لا يوافق علم اللّه فيه . فيقول إنّ اللّه لم يستجب لي وهو ما دعاه ، وإنّما جنح إلى سبب خاصّ لم يقتضه الزّمان ولا الوقت . فعمل أيّوب بحكمة اللّه تعالى إذ كان نبيّا . لمّا علم أنّ الصّبر هو حبس النّفس عن الشّكوى عند طائفة وليس ذلك بحدّ
شرح
الأنبياء السالفة وأممهم والعمل بمقتضاه ( لتعلم ) ، أي هذه الأمة ( ما فيه ) ، أي في هذا الكتاب المسطور ( فتلحق بصاحبه ) يعني صاحب الكتاب ( تشريفا لها ) ، أي لهذه الأمة مفعول له لجعل . فمن جملة ما جعل عبرة لنا ما صدر منه من الصبر على الضر ( فأثنى اللّه عليه أعني على أيوب بالصبر مع دعائه في رفع الضر عنه فعلمنا أن العبد إذا دعا اللّه في كشف الضر عنه لا يقدح ) هذا الدعاء ( في صبره ) ، أي في تحققه بالصبر في نفس الأمر ( فإنه صابر ) ، أي وفي الحكم بأنه صابر ( وإنه نعم العبد كما ) حكم بتحققه بكمال العبودية حيث ( قال تعالى :إِنَّهُ أَوَّابٌ *) ، أي ( رجاع إلى اللّه لا إلى الأسباب والحق يفعل عند ذلك ) ، أي عند الفعل الظاهر من الأسباب ( بالأسباب ) فهي آلاته والفاعل هو الحق تعالى لاقتضاء عمله بالأسباب والمسببات ذلك ( لا أن ) ، أي لا لأن ( العبد يستند إليه ) ، أي إلى هذا السبب الخاص ويصير به محجوبا عن المسبب ( إذ الأسباب المزيلة لأمر ما ) من الآلام ( كثيرة والمسبب واحد العين فرجوع العبد إلى الواحد المعين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى من الرجوع إلى سبب خاص ربما لا يوافق ذلك ) السبب الخاص ( علم اللّه فيه ) ، أي في شأن العبد له مكان تعلق علمه بسبب آخر لإزالة ألمه ( فيقول : إن اللّه لم يستجب لي وهو ما دعاه ) ، أي والحال أن العبد لم يدع المسبب الواحد العين ( وإنما جنح إلى سبب خاص لم يقتضه الزمان ولا الوقت ) ، أي وقت الداعي وحاله ( فعمل أيوب ) في الدعاء لرفع الضر ( بحكمة اللّه إذ كان نبيا ) ، عارفا حكمه ومصالحه في جميع الأفعال والأحوال والمقامات ثم إنه ( لما علم ) على صيغة المبني للمفعول ( أن الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى عند الطائفة ) ، الظاهرية من