تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
ولمّا كان الأمر في نفسه على ما قرّرناه لذلك كان مآل الخلق إلى السّعادة على اختلاف أنواعها . فعبّر عن هذا المقام بأنّ الرّحمة وسعت كلّ شيء ، وأنّها سبقت الغضب الإلهيّ . والسّابق متقدّم ، فإذا لحقه هذا الّذي حكم عليه المتأخّر حكم عليه المتقدّم فنالته الرّحمة إذ لم يكن غيرها سبق . فهذا معنى سبقت رحمته غضبه . لتحكم على ما وصل إليها فإنّها في الغاية وقفت . والكلّ سالك إلى الغاية . فلا بدّ من الوصول إليها ، فلا بدّ من الوصول إلى الرّحمة ومفارقة الغضب . فيكون الحكم لها في كلّ واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها .
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا * وإن لم يكن فهم فيأخذه عنّا
شرح
( ولما كان الأمر في نفسه على ما قررناه ) من أنه لا يقع شيء إلا بالمشيئة الإلهية ولا يرتفع شيء إلا بها ( لذلك كان مآل الخلق ) في الآخرة ( إلى السعادة على اختلاف أنواعها ) واشتراكها في رفع العذاب عنهم ( فعبر ) الحق سبحانه ( عن هذا المقام ) ، أي مقام كون مآل الكل إلى السعادة ( بأن الرحمة وسعت كل شيء ) فكما أن الرحمة الوجودية وسعت كل الأشياء حتى الغضب ، كذلك الرحمة المقابلة للغضب أيضا وسعتها ( وأنها ) ، أي وعبر عن هذا المقام أيضا بأنها ، أي الرحمة ( سبقت الغضب الإلهي ) سبقا يعم جميع معاني السبق من التقدم في الوجود ومن التعدي عن الشيء بعد اللحوق به . ومن الغلبة والاستيلاء ( والسابق ) بهذه المعاني ( متقدم فإذا لحقه ) بالاستحقاق به ( هذا ) البعد ( الذي حكم عليه المتأخر ) يعني الغضب ( حكم عليه المتقدم ) يعني الرحمة ( فنالته الرحمة ) وأخذته من يد غضب المنتقم ( إذا لم يكن غيرها ) ، أي غير الرحمة ( سبق فهذا معنى سبقت رحمته غضبه ، لتحكم ) ، أي الرحمة ( على من وصل إليها فإنها في الغاية وقفت ، والكل سالك إلى الغاية فلا بد من الوصول إليها ) ، أي إلى الغاية ( فلا بد من الوصول إلى الرحمة ) ، التي هي الغاية ( ومفارقة الغضب ) الذي عليه الرحمة ( فيكون الحكم لها ) ، أي الرحمة ( في كل واصل إليها ) ، أي إلى الغاية ( بحسب ما يعطيه حال الواصل إليها ) ، أي بحسب درجاتهم وتفاوت طبقاتهم فيكون للبعض نعيم في عين الجحيم ولبعض آخر في الجنة ولآخر في الأعراف الذي بينهما . ( فمن كان ذا فهم ) عظيم يورثه الذوق والكشف ( يشاهد ما قلنا ) ، شهود أعياننا