وحي لنزل بأحد الوجوه فذلك هو الحكم الإلهيّ . وما عداه وإن قرّره الحقّ فهو شرع تقرير لرفع الحرج عن هذه الأمّة واتّساع الحكم فيها .
وأمّا قوله عليه السّلام إذا بويع لخلفتين فاقتلوا الآخر منهما فهذا في الخلافة الظّاهرة الّتي لها السّيف . وإن اتّفقا فلا بدّ من قتل أحدهما بخلاف الخلافة المعنويّة فإنّه لا قتل فيها .
وإنّما جاء القتل في الخلافة الظّاهرة وإن لم يكن لذلك الخليفة هذا المقام وهو خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن عدل .
فمن حكم الأصل الّذي به تخيّل وجود إلهين .
شرح
فنعلم قطعا أنه لو نزل وحي لنزل بأحد الوجوه فذلك هو الحكم الإلهي وما عداه وإن قرره الحق ) في صورة المجتهدين ( فهو شرع تقرير لرفع الحرج عن هذه الأمة واتساع الحكم فيها ) . قال تعالى :يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[ البقرة : 185 ] .
وقال صلى اللّه عليه وسلم بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ، وظاهر أنه لو لم يقع الاختلاف في الأحكام الاجتهادية ما كان يظهر فيها الوجوه المتكثرة التي هي صورة سعة الرحمة المجبول عليها نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، ولما كان لمتوهم أن يتوهم أن استصواب اختلافات الخلفاء والمجتهدين لرفع الحرج عن هذه الأمة واتساع الحكم فيها ينافي ما ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » « 1 » ما دفعه بقوله : ( وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما فهذا في الخلافة ) .
وفي بعض النسخ : وهذا في الخلافة وهو يصلح أن يكون جواب إما ، يعني هذا الحكم إنما هو في الخلافة ( الظاهرة التي لها السيف وإن اتفقا فلا بد من قتل أحدهما ) ، وهو آخرهما ( بخلاف الخلافة المعنوية ) الغير المقرونة بالخلافة الظاهرة ( فإنه لا قتل فيها وإنما جاء القتل ) ، أي قتل الخليفة الآخر ( في الخلافة الظاهرة وإن لم يكن لذلك الخليفة ) الظاهري الآخر ( هذا المقام ) ، أي مقام الخلافة وأخذ الأحكام عن اللّه كالخليفة الظاهري الأول ( وهو ) ، أي الخليفة الآخر ( خليفة رسول اللّه إن عدل ) وحينئذ يكون بين الخليفتين تخالف في رتبة الخلافة ، فإن الأول خليفة اللّه والثاني خليفة رسول اللّه .
( فمن حكم الأصل ) ، أي وجوب القتل في الآخر مع هذا التفاوت القاضي بعدم تخالفهما في الحقيقة من حكم الأصل ( الذي به ) ، أي بهذا الحكم ( يخيل ) الأصل
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإمارة ، باب « إذا بويع لخليفتين » ، حديث رقم [ 61 - ( 1853 ) ] .
والبيهقي في السنن الكبرى ، باب الأئمة من قريش ، حديث رقم ( 16324 ) [ ج 8 ص 144 ] . ورواه غيرهما .