تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
ثمّ قال :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ
ولم يقل على نفسي معهم كما قال ربّي وربّكم
شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ
لأنّ الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم .
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي
أي رفعتني إليك وحجبتهم عنّي وحجبتني عنهم
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
في غير مادتي ، بل في موادّهم . إذ كنت بصرهم الّذي يقتضي المراقبة . فشهود الإنسان نفسه شهود الحقّ إيّاه . وجعله بالاسم الرّقيب لأنّه جعل الشّهود له . فأراد أن يفصّل بينه وبين ربّه حتّى يعلم أنّه هو لكونه عبدا في الواقع وأنّ الحقّ هو الحقّ لكونه ربّا له ، فجاء لنفسه بأنّه شهيد ، وفي الحقّ بأنّه رقيب . وقدّمهم في حقّ نفسه فقال :
عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ
إيثارا لهم في التّقدّم وأدبا ، وأخّرهم في جانب الحقّ عن الحقّ في قوله :
الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
لما يستحقّه
شرح
( ثم قال :وَكُنْتُ عَلَيْهِمْولم يقل على نفسي معهم كما قال : ربي وربكمشَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْلأن الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم ) لا على أنفسهم مع الأمم ( فلما توفيتني ) . ولما كان التوفي ظاهرا في الإماتة وعيسى عليه السلام لم يمت بل رفعه اللّه إلى السماء فسره رضي اللّه عنه بقوله : ( أي رفعتني إليك وحجبتهم عني وحجبتني عنهم ) ، فلما لم أبق متمكنا من الشهادة عليهم (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) [ المائدة : 117 ] باعتبار مقام الفرق ( في غير مادتي بل في موادهم ) وأما باعتبار مقام الجمع ففي غير مادة ( إذ كنت بصرهم الذي يقتضي المراقبة فشهود الإنسان نفسه شهود الحق إياه ) في مقام الفرق ( و ) إنما ( جعله ) أي جعل عيسى الحق مذكورا ( بالاسم الرقيب ) ولم يذكره مثل نفسه بالشهيد ( لأنه ) عليه السلام ( جعل الشهود له ) ، أي لنفسه ( فأراد أن يفصل بينه وبين ربه ) فيما يعبر به عنهما ( حتى يعلم أنه هو ) ، أي عيسى هو عيسى لا الحق بوجه ( لكونه عبدا ) أو وجه العبودية التي هي جهة التعين والتقيد غير وجه الربوبية والحقية ( وأن الحق هو الحق ) ، لا عيسى ( لكونه ربا له ) وجهة الربوبية التي هي جهة الإطلاق غير جهة العبدية ( فجاء عيسى لنفسه بأنه شهيد ) وإنما خصه بالشهيد لما سبق من أن الأنبياء شهداء على أممهم ( وجاء في الحق بأنه رقيب ) فرقا بينه وبين الحق . ( وقدمهم في حق نفسه فقال :عَلَيْهِمْ شَهِيداً) لا شهيد عليهم (ما دُمْتُ فِيهِمْإيثارا لهم ) على نفسه ( في التقدم ) كما يقتضيه مقام تواضع الكمل ، وإشارة أيضا إلى اختصاص شهادته لهم دون سائر الأمم ( وأدبا ) ، أي قدمهم على نفسه لمراعاة الأدب بين يدي الحق إذ الكلام معه أو لمراعاة الأدب معهم لأنهم مظاهره ( وآخرهم في جانب الحق عن الحق