تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
طالب عمّه ، وفيه نزلت الآية الّتي ذكرناها ولذلك قال في الرّسول إنّه ما عليه إلّا البلاغ ، وقال تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 272 ] . وزاد في سورة القصص :
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
[ القصص : 56 ] أي بالّذين أعطوه العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة فأثبت أنّ العلم تابع للمعلوم . فمن كان مؤمنا في ثبوت عينه وحال عدمه ظهر بتلك الصّورة في حال وجوده ، وقد علم اللّه ذلك منه أنّه هكذا يكون ، فلذلك قال :
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
فلمّا قال مثل هذا قال أيضا :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
لأنّ قولي على حدّ علمي في خلقي
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ ق : 29 ] أي ما قدّرت عليهم الكفر الّذي يشقيهم ثمّ طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عاملناهم إلّا بحسب ما علمناهم ، وما علمناهم إلّا
شرح
وما أثرت في إسلام أبي طالب عمه ) . فإن قلت : لا يفهم من الآية إلا أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يحب أن يؤمن أبو طالب . وأما تصرفه بجمعية الهمة حيث لا يبقى له مفسح إلى غيره فغير معلوم ، قلنا : لعله رضي اللّه عنه جعل ميله صلى اللّه عليه وسلم إلى إيمانه بمثابة التصرف بالهمة من آخرين في التأثير ، أو علم ذلك بوجه آخر . وقلنا ذلك من جملة ما ألقاه النبي صلى اللّه عليه وسلم إليه وهو صلى اللّه عليه وسلم أعلم بنفسه . فإن قلت : إنه تصرف بالهمة ولكن بأمور لما عرفت فلم تخلف عنه الأثر . قلنا : لعل الحكمة فيه أن يعلم صلى اللّه عليه وسلم أنه لا أثر للهمة إلا فيما له استعداد قبول أثرها فيستريح عن إتعاب نفسه بتسليط الهمة على إيمان أحد فيقتصر على البلاغ ، فإن كان شديد الحرص على إيمان قومه كما قال تعالى :فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً[ الكهف : 6 ] ( وفيه ) ، أي في شأن أبي طالب ( نزلت الآية التي ذكرناها ولذلك قال في ) شأن ( الرسول إنه ما عليه إلا البلاغ ) بصيغة الحصر ( وقال :لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ[ البقرة : 272 ] وزاد ) على ذلك ( في سورة القصص ) قوله : (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، أي بالذين أعطوا العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة فاثبت ) بهذه الزيادة ( أن العلم تابع للمعلوم فمن كان مؤمنا في ) حال ( ثبوت عينه وحال عدمه ظهر بتلك الصورة في حال وجوده ، وقد علم اللّه ذلك منه أنه هكذا يكون فلذلك قال : هو أعلم بالمهتدين فلما قال مثل هذا قال أيضا :ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّلأن قولي على حد علمي في خلقيوَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[ ق : 29 ] ، أي ما قدرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ) حتى أكون ظالما ( ثم طالبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ) حتى يكون ظلما على ظلم وأكون به ظالما ( بل ما عاملناهم في إعطائهم )
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 306 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي