تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
فتسمية ذلك نزاعا إنّما هو أمر عرضيّ أظهره الحجاب الّذي على أعين النّاس كما قال اللّه تعالى فيهم :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
( 7 ) [ الروم 6 - 7 ] وهو من المقلوب فإنّه من قولهم
قُلُوبُنا غُلْفٌ
[ النساء : 155 ] أي في غلاف وهو الكنّ الّذي ستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه . فهذا وأمثاله يمنع العارف من التّصرّف في العالم . قال الشّيخ أبو عبد اللّه بن قائد للشّيخ أبي السّعود بن الشّبل : لم لا تتصرّف ؟ فقال أبو السّعود : تركت الحقّ يتصرّف لي كما يشاء : يريد قوله تعالى آمرا :
فَاتَّخِذْهُ
شرح
( فتسمية ذلك ) ، أي ذلك الأمر الظاهر على المنازع من المخالفة المسمى ( نزاعا إنما هو أمر عرضي ) نسبي تعرض أحوال المنازع بقياسها إلى أحوال العارف ، فإن حقيقة كل منهما وعينه الثابتة تقتضي ما تخالف مقتضى حقيقة الأمر باعتبار الاسم الحاكم عليه ، فهذه المخالفة الواقعة منهما من غير اختيار تسمى نزاعا وهما فيها في عين الوفاق باعتبار امتثالهما أمر الأسماء الحاكمة عليها فالنزاع بينهما إنما ( أظهره الحجاب الذي على أعين الناس ) من رؤية سر القدر فيتوهمون أن كل واحد منهما في صدد المخالفة مع الآخر ( كما قال اللّه تعالى فيهم ) ، أي في شأن المحجوبين عن سر القدر ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ، أي سر القدر (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) ، أي ما ظهر لهم في النشأة الدنيوية (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) [ الروم : 7 ] ، أي وهم عن النشأة الأخروية التي عندها يظهر سر القدر غافلون ، ثم أراد أن ينبه على أن سبب هذه الغفلة هو الحجاب الذي وقع على قلوبهم فقال : ( وهو ) ، أي غافلون ( من المقلوب ) ، أي من الألفاظ التي قلب فيها بعض الحروف إلى مكان بعض آخر كاللام والفاء ههنا ( فإنه ) ، أي غافلون مأخوذ ( من قولهم :قُلُوبُنا غُلْفٌ[ البقرة : 88 ] ، أي في غلاف ) ، أي في حجاب إذ لا شك أن الغافل إنما يغفل عن شيء بواسطة حجاب يحول بينهما فالغافلون عن الآخرة هم الذين قلوبهم في غلاف ( وهو ) ، أي الغلاف ( الكنّ الذي ستره ) ، أي القلب ( عن إدراك الأمر على ما هو عليه ) قال تعالى : إنا جعلناعَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ[ الأنعام : 25 ] ، أي الحجب المانعة للقلب عن إدراك الحقائق على ما هي عليه . ( فهذا ) الذي ذكرنا من الوجوه الثلاثة ( وأمثاله يمنع العارف من التصرف في العالم بالهمة ) ومن جملة أمثاله امتثاله لأمر الحق حيث قال :فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا[ المزمل : 9 ] كما تومىء إليه في هذه الحكاية . ( قال الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن قائد للشيخ أبي السعود بن الشّبل ) وهما من كبار أصحاب الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني قدس اللّه أرواحهم ولا حرمنا من بركاتهم ( لم لا تتصرف فقال أبو السعود : تركت الحق يتصرف لي كما يشاء ، يريد قوله