تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً
فالجعل تعلّق بالشّيبة ، وأمّا الضّعف فهو رجوع إلى أصل خلقه وهو قوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ
[ الروم : 54 ] . فردّه لما خلقه منه قال تعالى :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
[ الحج : 5 ] . فذكر أنّه ردّ إلى الضّعف الأوّل فحكم الشّيخ حكم الطّفل في الضّعف . وما بعث نبيّ إلّا بعد تمام الأربعين وهو زمان أخذه في النّقص والضعف فلهذا قال :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً
[ هود : 80 ] مع كون ذلك يطلب همّة مؤثّرة . فإن قلت وما يمنعه من الهمّة المؤثّرة وهي موجودة في السّالكين من الأتباع ، والرّسل أولى بها قلنا صدقت ولكن نقصك علم آخر ، وذلك أنّ المعرفة لا تترك للهمّة تصرّفا فكلّما علت معرفته نقص تصرّفه بالهمّة ، وذلك لوجهين : الوجه الواحد
شرح
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً[ الروم : 54 ] وشيبة فالجعل تعلق بالشيبة ) لأنها أمر وجودي . ( وأما الضعف فهو رجوع إلى أصل خلقه ) فتعليق الجهل بهما باعتبار أحدهما ( وهو ) ، أي أصل خلقه ما يدل عليه ( قوله :خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) كما بينا ( فرده لما خلقه ) ، أي إلى ما خلقه ( منه كما قال تعالى :وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) ، أي لكيلا يحصل له علم محدود بعد حصول العلوم السابقة لفقدان قابلية الآلة لتحصيله ، لأن الناطقة يطرأ عليها الجهل بعد العلم ولما كان يبقى العلم بعد المفارقة ، ولا يبعد أن يقال : المراد بعدم العلم طرو النسيان والغفلة عن العلوم لما يلحقه من موانع التذكر فإذا ارتفعت الموانع المفارقة تذكر به ( فذكر ) اللّه سبحانه بقولهيُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ( أنه رد إلى الضعف الأوّل ) الذي خلق منه ( فحكم الشيخ حكم الطفل في الضعف ) الأصلي غير أن الشيخ مردود إليه بعد القوة والطفل لا يقوى بعد ( وما بعث نبي إلا بعد تمام الأربعين وهو زمان أخذه ) ، أي شروعه ( في النقص والضعف ) لأن أحكام النشأة العنصرية والقوى الطبيعية غالبة في تلك المدة ، فلما نقصت وضعفت وغلبت أحكام النشأة الروحانية بعد تمامها بعثه اللّه لتكميل الناقصين . ( فلهذا ) ، أي لأجل أخذه في النقص والضعف ( قال :لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً) كان ( مع كون ذلك ) الأخذ ( يطلب همة مؤثرة ) لا قوّة جسمانية . ( فإن قلت : وما يمنعه من الهمة المؤثرة ، وهي موجودة في السالكين من الأتباع ، والرسل أولى بها . قلنا : صدقت ولكن نقصك علم آخر ، وذلك لأن المعرفة لا تترك للهمة تصرفا ، فلما علت معرفته نقص تصرفه بالهمة ) حتى إذا بلغت غايتها لم يبق له تصرف أصلا