الكلام ، فما ظهر عليهم في ظواهرهم إلّا حكم ما استقرّ في بواطنهم من المفهوم .
فما أثّر فيهم سواهم كما لم يكن التّكوين إلّا منهم . فللّه الحجّة البالغة .
فمن فهم هذه الحكمة وقرّرها في نفسه وجعلها مشهودة له أراح نفسه من التّعلّق بغيره وعلم أنّه لا يؤتى عليه بخير ولا بشرّ إلّا منه . وأعني بالخير ما يوافق غرضه ويلائم طبعه ومزاجه ، وأعني بالشّرّ ما لا يوافق غرضه ولا يلائم طبعه ولا مزاجه .
ويقيم صاحب هذا الشّهود معاذير الموجودات كلّها عنهم وإن لم يعتذروا ، ويعلم أنّه منه كان كلّ ما هو فيه كما ذكرناه أوّلا في أنّ العلم تابع للمعلوم ، فيقول لنفسه إذا جاءه ما لا يوافق غرضه : يداك أوكتا وفوك نفخ
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] .
شرح
الكلام فما ظهر عليهم في ظاهرهم إلا حكم ما استقر في بواطنهم من المفهوم عن ذلك الكلام فما أثر فيهم سواهم ) ، أي أمر خارج عنهم ( كما لم يكن التكوين إلا منهمفَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ[ الأنعام : 149 ] على الناس كلهم سعيدهم وشقيهم فيما يعطيهم ويظهر عليهم في أيام السعادة والشقاوة ( فمن فهم هذه الحكمة ) الفتوحية ( وقررها في نفسه ) بتحصيل العلم اليقيني بها الغير الزائل ( وجعلها مشهودة له ) واستحضرها في جميع أحواله ( أراح نفسه من التعلق بغيره وعلم أنه لا يؤتى عليه خير ولا شر إلا منه وأعني بالخير ما يوافق غرضه ويلائم طبعه ومزاجه وإن لم يوافق أغراض آخرين ولا يلائم طباعهم وأمزجتهم وأعني بالشر ما لا يوافق غرضه ولا يلائم طبعه ولا مزاجه ) وإن وافق غرض آخرين ولائم طباعهم وأمزجتهم ، وإنما صرح بهذه العناية تنبيها على أن الشر المطلق لا وجود له في نفس الأمر بل الخير المطلق أيضا ( ويقيم صاحب هذا الشهود معاذير الموجودات كلها عنهم وإن لم يعتذروا ) عن أنفسهم ضرورة أنه يعرف مبدأ ذلك وأنهم مضطرون فيه ( ويعلم أنه منه ) ، أي من نفسه ( كان ) ، أي وجد ( كل ما هو فيه ) بما يوافق غرضه أو لا يوافق ( كما ذكرناه أوّلا في أن العلم تابع للمعلوم فيقول لنفسه إذا جاءه ما لا يوافق غرضه : يداك أوكتا وفوك نفخ ) .
هذا مثل مشهور يضرب لمن يتحسر ويضجر عما يرد عليه منه ، أي ما صدر من ظاهرك وما ظهر من باطنك ، كل منهما منشيء من حقيقتك لا من غيرك . يقال : أوكى على سقائه إذا شده بالوكاء . والوكاء للقربة هو الخيط الذي يشد به فوها ، ( واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل ) .