فما أدركه إلّا في حضرة الخيال ، إلّا أنّه لا يسمّى نائما .
وكذلك إذا تمثّل له الملك رجلا فذلك من حضرة الخيال فإنّه ليس برجل وإنّما هو ملك فدخل في صورة إنسان فعبّره العارف حتّى وصل إلى صورته الحقيقيّة ، فقال هذا جبرئيل أتاكم يعلّمكم أمر دينكم . وقد قال لهم ردّوا عليّ الرّجل فسمّاه بالرّجل من أجل الصّورة الّتي ظهر لهم فيها . ثمّ قال : هذا جبرئيل فاعتبر الصّورة الّتي مآل هذا الرّجل المتخيل إليها فهو صادق في المقالتين : صدق العين في العين الحسيّة ،
شرح
( فما أدركه ) ، أي الذي أوحى إليه ( إلا في حضرة الخيال ) المطلق أو المقيد ( إلا أنه لا يسمى نائما ) لأن النوم عرفا ولغة ما يكون سببه أمرا مزاجيا يعرض للدماغ وسبب هذا أمر مزاجي يقبض على القلب فيأخذه عن المحسوسات ( فكذلك إذا تمثل له الملك رجلا فذلك ) التمثل ( من حضرة الخيال فإنه ) ، أي الملك ( ليس برجل ) حقيقة فإنه إنسان ذكر ( وإنما هو ملك فدخل في صورة إنسان ) ذكر ( فعبره ) ، أي الإنسان ( الناظر ) في الصورة المرئية ( العارف ) بما يؤول إليه ( حتى وصل إلى صورته الحقيقية فقال : « هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم » « 1 » وقد قال لهم : ردوا عليّ الرجل فسماه ) ، أي جبريل ( بالرجل من أجل الصورة التي ظهر ) جبريل ( لهم ) ، أي للحاضرين ( فيها ) ، أي في تلك الصورة ( ثم قال : هذا جبريل فاعتبر الصورة التي مآل هذا الرجل المتخيل إليها ) وهذه الصورة المعتبرة هي الصورة الملكية ( فهو صادق ) في هاتين المقالتين ( صدق للعين ) ، أي لمشاهدة العين الباصرة ( في العين الحسية ) ، أي في الذات المحسوسة بالبصر التي لجبريل والجار والمجرور أعني في العين الحسية متعلق بصدق ، أي صدق في الحكم على الذات الجبريلية المحسوسة بأنه رجل المشاهدة العين الباصرة له كذلك أو صدق في
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه بلفظ : قال حدثني أبي عمر بن الخطاب قال بينما نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن إمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت اللّه ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم » .