البعيد عنه كالقريب ، وذلك أنّه لما تجلى اللّه له بصفة السمع سمع بقوّة أحدية تلك الصفة اختلاف تلك اللغات وهمس الجمادات والنباتات ، وفي هذا التجلي سمعت علم الرحمانية من الرحمان ، فتعلمت قراءة القرآن ، فكنت الرطل وكان الميزان ، وهذا لا يفهمه إلا أهل القرآن الذين هم أهل اللّه وخاصته » .
29 - الباب الرابع عشر في تجليات الصفات :
« ومنهم ، أي من أهل تجلي الصفات من تجلى اللّه عليه بصفة القدرة ، فتكونت الأشياء بقدرته في العالم الغيبي ، وكان على أنموذجه ما في العالم العيني ، فإذا ارتقى فيه ومنه ظهر عليه ما يكتمه ، وفي هذا التجلي سمعت صلصلة الجرس فانحلّ تركيبي واضمحل رسمي وانمحى اسمي ، فكنت لشدة ما لاقيت من الخرافة مثل الخرقة البالية المعلقة في الشجرة العالية تذهب بها الريح الشديدة شيئا فشيئا ، لا أبصر شهودا إلا بروقا ورعودا وسحابا يمطر بالأنوار وبحارا تموج بالنار ، والتقت السماء والأرض وأنا في ظلمات بعضها فوق بعض ، فلم تزل القدرة تخترع لي ما هو الأقوى ، وتخترع بي ما هو الأهوى فالأهوى ، إلى أن ضرب الجلال على سرادق المتعال ، وولج جمل الجمال في سم خياط الخيال ، ففتق في المنظر الأعلى رتق اليد اليمنى ، فحينئذ تكونت الأشياء وزال العماء ، ونودي أن استوى الفلك على الجودي أيتها السماء والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين » .
30 - الباب الرابع عشر :
« ومنهم من يتجلى اللّه عليه بالألوهية ، فيجمع التّضادّ ويعمّ البياض والسّواد ، ويشمل الأسافل والأعالي ، ويحوي التّراب واللئالي ، وعند ذلك يعقل الاسم والوصف ، ويجحد النّشر واللّفّ ، ويرى أنّ الأمر
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
« 1 » فطوى بيمينه وشماله كتابه
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 2 » .
ومن خصائص هذا التجلي : أن العبد لا يمكنه النفي ولا يمكنه الإثبات ، ولا يقول بالوصف ولا بالذات ، ولا يلوى على الاسم ولا يحتاج إلى الرسم . اجتمعت في هذا التجلي
هامش
( 1 ) - سورة النور ( 24 ) : الآية 39 ، ( م ق ط ) .
( 2 ) - سورة هود ( 11 ) : الآية 44 ، ( م ق ط ) .