الجنات ، ولكن هذه الأخلاق هي لهم كالخلوق الذي يتطيب بها الإنسان ، فإنه وجود الريح من الطيب لا تعمل فيه للمتطيب به ، فإنه يقتضي تلك الريح لذاته ، والتخلق تعمل في تحصيل هذا الخلق ، وهذا ليس كذلك ، فالثناء على الطيب ، لا على من قام به ، فكذلك هذا الخلق إذا رئي على عبد اتصف به لم يقع منه ثناء عليه أصلا ، وإنما يقع الثناء على الخلق خاصة ، فكل خلق تجده بهذه المثابة فهو من هذه الأخلاق الثلاثمأة » انتهى « 1 » .
فإن قلت : قولكم أن الحق جلّ وعلا تخلق في كل [ واحد ] من مخلوقاته يدل على أنه عينها ، فإذا كان هو عينها فما هذا التعدد الموجود في العالم وهو واحد - سبحانه - ، فكيف [ يقال أنه ] واحد وهو متعدد ؟ وكيف يظهر متعددا وهو واحد ؟ وما هذا التغير الواقع في هذا المتعدد وهو منزه عن ذلك التغير . ؟
الجواب : أن تعدد الظاهر في الوجود غير مناف للواحدية الإلهية ، لأن الواحد إذا قابلت به مرائي كثيرة فإن الواحد يتعدد فيها ولا يتعدد في نفسه ، فهو واحد من حيث هو ، ومتعدد من حيث تلك المرائي ، فهذا التعدد الواحدي لواحد غير متعدد ، والتغيير الواقع في الصور لا فيه ، فإن العالم في المثال بالنسبة إلى الله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
« 2 » مثال الصورة المتخيلة في ذهنك المفروضة أنها غيرك بالنسبة إليك ، فهل تري التغير الواقع بتلك الصورة راجع إليك من حيث حقيقتك أم راجع إلى ذلك المتخيل المفروض ، وأنت على ما أنت عليه قبل ظهوره في مخيلتك وبعد زواله . ؟
وأيضا فإن وجود ذلك التغير اللاحق بذلك المفروض المتخيل غير حقيقي ، لأن وجود ذلك المفروض نفسه وجود مجازي غير حقيقي ، إذ لا استقلال له إلا من حيث
هامش
( 1 ) - الفتوحات المكية المجلد الثاني ص 72 من طبعة بولاق
( 2 ) - سورة النحل ( 16 ) : الآية 60 .