تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه شرح الكهف والرقيم ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
فهذا الوسع ليس للعالم الكبير إلا من حيث الحكم وهو كون الإنسان موجودا فيه ، فللإنسان خصوصيات شريفة ، وليس للعالم الكبير خصوصية بشيء دون الإنسان ، فكلما في العالم في الإنسان ولا عكس . ومن ثم كان الإنسان أصلا للعالم ، وكان هو المقصود من الوجود ، وله الركوع والسجود في حضرة الحق المعبود ، ومن ثم قال فيه : « لولاك لما خلقت الأفلاك » ، فخلق الله العالم للإنسان لا الإنسان للعالم ، ألا تراه - سبحانه وتعالى - يقول :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
« 1 » فالعالم كله مسخر للإنسان مخلوق من أجله فالإنسان هو الأصل في ذلك . ولا اعتبار بخلق السماوات والأرض والملائكة قبل الإنسان ، فإنما جرت سنة الله بذلك أن يخلق الشجرة قبل الثمرة ، والثمرة هي المقصود من الشجرة . فمثل الإنسان والعالم كمثل ملك لا يبرز من محل إلى محل إلا بعد تهيئة المراتب التي هي من لوازم السلطنة في ذلك المحل ، بحيث أنه لا يبرز عما هو فيه إلى ما هو قاصده إلا بعد أن يعد له جميع ما يحتاج إليه فكذلك لم يبرز الله الإنسان في الخارج إلا بعد أن أتقن نظام العالم ، فكان ما في الإمكان أبدع منه سوى الإنسان فكذا ربه . فإذا فهمت معنى قول أفضل الكائنات عليه الصلاة والسلام : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » فافهم لفظة « لأتمم مكارم الأخلاق » وإلا فارجع إلى الواحد الخلاق . قال المصنف - قدس سره - في الكمالات : « درة يتيمة في لجة عظيمة : اعلم - وفقك الله لمعرفة نفسك ، وأخرجك من ضيق رمسك - أن باطنك لمّا كان مغيبا منك ، وكانت فيه أمور غريبة ونكات عجيبة ، تغرب
هامش
( 1 ) - سورة الجاثية ( 45 ) : الآية 13 .