تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه شرح الكهف والرقيم ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
فعدم معرفة الإنسان نفسه بنفسه مقسوم له على كل حال ، وذلك لأن الجهل ذاتي للإنسان ، فتقوم حجة الله عليه بدعواه ، فدعواه معرفة الأشياء بما هو عين الجهل منه ، إذ نفسه من جملة الأشياء وقد جهلها ، فجهله لربه أولى . وإلى ذلك أشار تبارك وتعالى بقوله - عز شأنه - :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
« 1 » يعني كما ينبغي له ذلك وهو مستحيل أن يقدر أحد الله حق قدره نفسه ، لأنه ذو الجلال والإكرام ، وذو الجلال والإكرام هو الذي عظمت ذاته ، وعظّمته مخلوقاته . فذو الجلال عبارة عن العظيم بذاته تعالى ، وذو الإكرام تعظيم الكون له ، فذو الجلال والإكرام هو العظيم المعظّم ، ف
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
« 2 » من حيث أنه ذو الجلال ، وقدروه حق تقديره حسب استطاعتهم من حيث أنه ذو الإكرام ، مع أن قدرهم إياه من حيث أنه ذو الإكرام ليس هو حق قدره ، لكن هو في الصفة المعبر عنها بالكرم صفة هذا الاسم ، حصل لهم ذلك بتطفلهم على عظيم كرمه ، إذ من كرمه إيجاده لهم من بطون العدم إلى ظهور الوجود ، فأوجدهم وعرّفهم نفسه ، وتفضل عليهم بتلك المعرفة بعد إيجادهم له ليعرفوه فعرفوه ، فمنهم العارف والأعرف ولا يكون غير هذا ، فالخلق عظموا صفات ذي الجلال والإكرام وجهلوا ذاته ، فلو شهدوه في حقائقهم من غير حلول لتجلت لهم العظمة الإلهية في الأكوان وهي هم ، فلا يشهدوا الشيء سواها وجودا ، ولكنهم لمّا عظّموه جلّوه أن يشهدوه في ذواتهم ، وما علموا أنهم أساءوا الأدب بجعلهم لنفوسهم وجودا مستقلا من دونه ، فوقعوا في عين ما احترزوا من الوقوع فيه ، فحجبوا بوجودهم عن العظمة الإلهية ، بل حجبوا بالعظمة عن العظمة ، لأنه لولا تعظيمهم له لما حجبوا عن شهوده في حقيقة الموجودات وهم منها .
هامش
( 1 ) - سورة الأنعام ( 6 ) : الآية 91 ، وسورة الزمر ( 39 ) : الآية 67 . ( 2 ) - نفس المصدر .