تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه شرح الكهف والرقيم ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
فالمعتقد الذي لأهل الملة الفلانية هو غير المعتقد الذي للملة الأخرى ، فقد حصل لهم في أنفسهم تباين في ذلك المعتقد ، وهو في نفسه غير مباين لكل من الطائفتين في اعتقادهم ، بل بيّن في بيناته يعني أنه ظاهر بأحديته المقدسة عن مفهوم الأغيار في ظهوراته ، وهي مظاهره التي أوجدته في نفس المعتقدين ووجدته [ وجده ] المعتقدون فيها ، كما أن تلك المظاهر أيضا أدركت الظاهر فيها ، فيمن وجد الحق بواسطتها ، والمدرك - اسم فاعل - الحق في تلك المظاهر هو إدراك الحق نفسه من نفسه بنفسه بلا واسطة أغيار ، إذ الحادث لا يدرك القديم ، ومن ثمّ عبّر الجنيد - قدس سره - بقوله : « إذا قورن الحادث بالقديم تلاشى » . فإذا ينبغي يا أخي - وفقني الله وإياك ، ولا أخلاني من فيضه ولا أخلاك - أن تعلم وتفهم ما هو الناطق منك ، والعالم منك ، والسامع منك ، والباصر منك ، إلى آخر قواك المدركة لحقائق الأشياء على تفاصيلها . على أن مدركة السمع لا تقوم مقام مدركة البصر ولا العكس ، ولا مدركة اللمس تنوب عن مدركة الشم ولا العكس ، وهكذا جميع ما فيك . على أنها أيضا لا تقوم بنفسها بل قيامها بالروح المنفوخ في صورة جسمك ، فإذا هي شيء واحد باعتبار أحدية الروح ، وأنت تعلم أنها متعددة ، على أنها في نفسها غير متعددة ، فإذا حصل لك الجهل بنفسك فأنت ببارئك وخالقك أجهل وأجهل . فلّما كان ذلك كذلك عبر - عليه الصلاة والسلام - بقوله : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » ، وكأنه - عليه الصلاة والسلام - علّق مستحيلا على مستحيل ، وعبّر عن نفسه صلى الله عليه و [ آله ] وسلم بقوله : « عرفت ربي بربي » ، فيكون معنى الحديثين - والله أعلم - : أن من عرف نفسه بربه عرف ربه بما عرف به نفسه وهو ربه ، فيكون قد عرف ربه بربه .