[ مطلب في بيان أن الدنيا سجن الملك لا داره ]
فإن الدنيا سجن الملك لا داره ، ومن طلب الملك في سجنه من غير ترحيل عنه رحلة كلية ، فقد أساء الأدب ، وفاته أمر كبير .
شرح
الراحة والمشاهدة ، فالزمان الذي تصرفه في الدنيا في المشاهدة يفوتك فيه علم لو حصلته لزادت مشاهدتك في الدار الآخرة فتكون بالمشاهدة الدنيوية الموجبة لعدم حصول هذا العلم لك ناقص المرتبة في دار الآخرة عند المشاهدة لأن المشاهدة على قدر العلم ، فما شهدته في الدنيا حين شهدته إلا بعد أن علمته بوجه ما فما شاهدت إلا صورة علمك فقد اشتغلت بعلمك الحاصل لك عن تحصيل علم لو حصلته لعظمت مشاهدتك في دار الآخرة ، فإن فاتتك المشاهدة في الدنيا لتحصيل العلم لم تفتك في الآخرة وإن فاتك العلم في الدنيا للمشاهدة فإنها فناء لا يكون معه شعور فاتتك المشاهدة في الآخرة هذا نقص المرتبة عند الرؤية ، وأما نقصها عند المحق فاعلم أن الظهور بالنيابة والخلافة لا يصلح إلا لدار الآخرة لأنه لا تكليف ولا تحجير فيها وفيها يقول الإنسان للشيءكُنْ فَيَكُونُ[ الأنعام : الآية 73 ] . كذا ورد أن اللّه يرسل إلى أهل الجنة بكتاب مضمونه هذا واللّه أعلم . هذا كتاب من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت ، أما بعد . . . فإني أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتكم تقولون للشيء كن فيكون فما يقولون لشيء كن إلا ويكون . وهذا هو عين الظهور بالخلافة والدنيا لا تصلح لذلك لأنها دار محنة وتكليف ، وبقدر ما يظهر من الخلافة في الدنيا ينقص منها في الآخرة قال تعالى :أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا[ الأحقاف : الآية 20 ] ، فهذا إذا لم يكن الظهور بالخلافة في الدنيا عن أمر إلهي ، وأما إذا كان عن أمر إلهي كما هو للرّسل فلا ، وانفوا من ذلك لما فيه من ( معاملة المتوطّن ) الذي هو دار الدنيا ( بما لا يليق به ) وهو الظهور بالخلافة وترك تحصيل العلم .
مطلب في بيان أن الدنيا سجن الملك لا داره ( فإن الدنيا سجن الملك ) الحق سبحانه ، وهو محل الحجاب والبعد فالذي ينبغي أن يظهر فيه هو الذل والعبودية والمجاهدة والمكابدة ، والذي ينبغي أن يطلب فيه هو التقرّب إلى الملك بالعلم به وحضرته ( لا داره ) أي دار الملك التي هي محل المشاهدة ورفع الحجب والظهور بالعزة وأطوار الربوبية ، ( ومن طلب ) من ( الملك ) أن يأتيه ( في سجنه ) ومحل قهره وحجابه ويباسطه فيه ويتجلى له ( من غير ترحيل عنه ) ، أي : عن السجن ( رحلة كلية ) بالموت الطبيعي لا رحلة ما بالموت الإرادي ، ( فقد