شرح
للحق أثرا في الكون ، فما يكون له دليل على ثبوت نسبة ولا صفة ولا نعت ، فيفنيه هذا الشهود عن الأسماء والصفات والنعوت ، بل إن حققه يرى أنه محل التأثير حيث أثر فيه استعداد الأعيان الثابتة من أعيان الممكنات ، وأما قولهم الفناء عن الفناء فما هو نوع ثامن ، وإنما هو الفاني إذا لم يعلم في فناه أنه فان ، فذلك الفناء عن الفناء كصاحب الرؤيا الذي لا يعلم أنه نائم فهو حال تابع في كل نوع من أنواع الفناء ، وحال الفناء لا ينال بتعمّل ، أي : لا بقصد ، وأدناه درجة حكمه في المتفكر فإذا استغرق الإنسان الفكر في أمر ما من أمور الدنيا أو في مسئلة من العلم فتحدثه ولا يسمعك وتكون بين يديه ولا يراك وترى في عينه جمودا في تلك الحالة ، فإذا عثر على مطلوبه أو طرأ أمر يرده إلى إحساسه حينئذ يراك ويسمعك ، فهذه أدنى درجاته في العالم ، وسبب ذلك ضيق المحدث فإنه لا شيء أوسع من حقيقة الإنسان ولا شيء أضيق منها .
مطلب في اتّساع القلب وضيقه فأما اتّساع القلب فإنه لا يضيق عن شيء واحد ، وأما ضيقه فإنه لا يسع خاطرين معا فإنه أحدي الذات فلا يقبل الكثرة ، وهذه هي التي تسمى خلوة الحق ، لا يفوز به إلا أخصّ أهل اللّه ، وهو للعقول المنوّرة ، والمحق يفوز به أهل الخصوص وهو للنفوس المنورة جعلنا اللّه ممن محق محقه فانفرد به حقه ، وهذه التي تسمى خلوة الحق ، فإنه لا يشهد ولا يرى وإن علمه بعض الناس فلا يكون مشهودا له ، ومن هذه الحقيقة اتخذ أهل اللّه الخلوة للانفراد ، لما رأوه تعالى اتخذها للانفراد بعبده ، ولهذا لا يكون في الزمان إلا واحدا يسمى الغوث والقطب وهو الذي ينفرد به الحق ويخلو به دون خلقه ، فإذا فارق هيكله انفرد بشخص آخر لا ينفرد بشخصين في زمان واحد ، وهذه الخلوة الإلهية من علم الأسرار التي لا تزاع ولا تفشى . وما ذكرناها وسميناها إلا لتنبيه قلوب الغافلين عنها بل الجاهلين بها ، فإني ما رأيت أحدا ذكرها قبلي ولا بلغني مع علمي بأن خاصة أهل اللّه بها عالمون ، وذلك العبد عين اللّه في كل زمان لا ينظر الحق في زمانه إلا إليه ، وهو الحجاب الأعلى والسر الأزهى والقوام الأبهى فتوحات في باب 355 في المحق ، وقال في أول باب المحق : هو فناؤك في عينه ، ومحق المحق ثبوتك في عينه ، وأهل محق المحق يشهدون اللّه باللّه ويشهدون الكون بنفوسهم لا باللّه ، فافهم فهو من حيث هذه الحقيقة