ويحتاج المسافر لما يصلح لتلقي كل عالم في منزله ، فإنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة وينصرف ، فأنّى يعقل حلول الراحة فيمن هذه حالته .
وما أوردنا هذا ردّا على أهل النعيم في الدنيا ، العاملين لها والمنكبين على جمع حطامها ، فإن أهل هذا الفعل عندنا أقل وأحقر من أن نشتغل بهم ، أو نلتفت إليهم ، وإنما أوردناه تنبيها لمن استعجل للذة المشاهدة في غير موطنها الثابت ، وحالة الفناء في غير منزلها ، والاستهلاك في الحق بطريق المحق عن العالمين .
شرح
( ويحتاج المسافر ) إذا كان عاقلا ناصحا لنفسه أن يعلم ما ينبغي له من الأطعمة والأشربة والأدوية الصالحة لكل ماء وهواء ومنهل حتى لا يسقم ولا يهلك في سفره لاختلاف الأهوية والمناهل والمياه الموجبة لانحراف المزاج وفساده ، وينبغي له أن يستعدّ ( لما يصلح لتلقي كل عالم ) يمر به في سفره فإن كان ممن يلاقى بالهدايا والتدليل لاقاه بذلك ، وإن كان ممن يقابل بالحرب والقتال قابله به ، وإن كان ممن يقابل بالهيبة قابله بها ، أو بالإنس قابله به ، وأمثال ذلك ( في منزله ) أي في منزل ذلك العالم ويجوز أن يعود الضمير على المسافر ، فيكون المراد أن المسافر يحتاج لتحصيل هذه الأمور في منزله قبل الشروع في السير ومفارقة المنزل ، لأنه متمكن من ذلك في منزله ، بخلاف منازل العوالم التي يمر عليها ، لأنه لا يتمكن فيها من ذلك ( فإنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة وينصرف ) فلا يتسع الوقت لتحصيل ذلك ، والواجب عليه في ذلك الوقت اليسير الذي يكون فيه عندهم أن يعاملهم بما يستحقونه حتى يربح في سفره ، فإذا صرفه في تحصيل ما يصلح للمعاملة لم يمكنه أداء ما يجب لهم عليه ، فرحل عنهم وهو خاسر وإذا كانت حالة المسافر كما ذكرناه ( فأنّى يعقل حلول الراحة في من هذه حالته ) .
( وما أوردنا هذا ) الذي أوردناه من حال السفر والمسافر ( ردّا على أهل النعيم ) الجسماني فقط ( في الدنيا العاملين لها ) لا للّه فهم عبيدها ( والمنكبون على جمع حطامها ، فإن أهل هذا الفعل عندنا أقل وأحقر من أن نشتغل بهم أو نلتفت إليهم ) لأنهم محجوبون عن اللّه معرضون عنه متوجهون إلى غيره يحبون من لعنه ويوالون الذي أبعده ( وإنما أوردناه تنبيها لمن استعجل لذّة المشاهدة ) .