تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وعاد الواجب ممكنا والممكن واجبا والمحال ممكنا وليس الأمر كذلك ، فالغربة عند العلماء بالحقائق في هذا المقام غير موجودة ولا واقعة .

فصل

لا شك أنك إذا فهمت ما أوردناه من كلام الشيخ رضي اللّه عنه وأسلفناه من كلامنا علمت أن الممكنات ما برحت من الحضرة العلمية وإنما ظهرت صورها في مرآة الوجود الحق فتلك الصور الظاهرة في مرآة الوجود لا وجود لها إلا في شعور الأعيان الثابتة بل هي هي ، ألا تراك إذا أبصرت صورتك في المرآة تتخيل أنه قد وجد في المرآة صورة تماثلك ، وإذا دققت النظر علمت أنه الشعاع لما خرج من الباصرة واتصل بالمرآة الصقيلة انعكس لصلابتها إلى الناظر فأبصر نفسه في مكانه ، لا أنه أبصر نفسه في المرآة بل المرآة كانت سبب إبصاره لنفسه في مكانه وعلى حالته التي هو عليها ، ولهذا إذا بعد الناظر عن المرآة يرى صورته تبعد في داخل المرآة بقدر ما بعد عنها ، فالناظر هو الموجود العلمي والمرآة هو الحق سبحانه وتعالى ، والشعاع الخارج من الباصرة إلى المرآة المنعكس إليه لكثافتها هو الإدراك الثبوتي الذي صح به توجه الأمر على الموجود العلمي ، الذي كان في ظلمة العدم عند نفسه لا عند الحق ، فإنه بالنسبة إلى الحق موجود وهذا معنى قول الشيخ رضي اللّه عنه إن الحق أوجد الأشياء لأنفسها لا له .

مطلب في بيان أن الموجود العلمي إنما اتّصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات

اعلم أن الموجود العلمي إنما اتّصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات العالمة المتصفة بالسمع والبصر والإرادة والقدرة ، فهو عالم بعلمها سميع بسمعها بصير ببصرها مريد بإرادتها قدير بقدرتها ، غير أن ظهور هذه الصفات فيه يخالف ظهورها في الذات لأنه مقيد ، فلا يظهر فيه إلا ما يماثله ، وهي مطلقة فلا يظهر فيها إلا المطلق . ولما أراد الحق سبحانه إيجاد الأشياء في العين ظهرت إرادته في ذوات الأعيان الثابتة من حيث إنها عينه ، فأرادت وجود أعيانها ، فلجأت إلى الأسماء التي هي أربابها وطلبت منها إيجاد أعيانها ، فلجأت الأسماء إلى الذات فجادت بما أرادوه منها . وهذا كما تقول سمع اللّه مني وأبصر مني وأراد مني ، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله : لما شاء الحق من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها . فإن الأسماء الحسنى هي التي شاءت وجود العالم بمشيئة الحق لأنه كل اسم