ولم تكن له همة بأمر وراءها إلا الجنة خاصة فذلك هو العابد صاحب الماء والمحراب كما أن الهمة لو تعلقت بما وراء العبادات من غير استعداد لها لم يكشف له شيء ولا نفعت همته بل صاحبها أشبه شيء بمريض سقطت قواه بالكلية وعنده الإرادة والهمة للحركة والآلة متعطلة فهل يصل بهمته إلى مطلوبه فلا بد من الاستعداد على الكمال بالهمة وغيرها .
شرح
الإحياء « 1 » ( ولم تكن له همة ) واردة متعلقة ( بأمر وراءها ) يعني الأمور الوضعية مثل العلم باللّه وصفاته وأفعاله ومشاهدته والقرب منه والفناء فيه وتجليه ( إلا ) طلب ( الجنة ) والنجاة من النار ( خاصة فذلك هو العابد صاحب الماء والمحراب ) الذي لا وجهة له إلا رعاية الأعمال والأقوال والأحوال الظاهرة ولا إرادة له في سر سواها إلا النجاة من النار والفوز بالجنة المحسوسة فقط ، فلا تنتج له عبادته ثمرة في الدنيا ، كما تنتج لمن شاركه فيما هو فيه وزاد عليه برعاية الأمور الباطنة ، ما دون في كتب أهل الحقائق ، وذكرنا بعض ذلك في الشرح ، هذا وإنما تنتج له في الآخرة ما أمله ، فالأعمال الظاهرة على ما قررناه من غير الهمة والإرادة المتعلقة بالأمور المعنوية لا تنتج من أحوال القوم مثل الإلهام والمشاهدة والفناء والسكر والصحو وأخواتها شيئا ( كما أن الهمة لو تعلقت بما وراء العبادات ) مما ذكرنا من الأحوال والمشاهدة ( من غير استعداد لها ) بالأعمال الظاهرة كما هو دأب العابد صاحب الماء والمحراب ( لم يكشف له ) عن ( شيء ) مما ذكرنا أنه يطلع عليه السالك في هذا الكتاب ( ولا نفعت همته ) المتعلقة بحصوله لأنها علة ناقصة ، والعلة التامة لذلك بعد قضاء اللّه وقدره مجموع الأعمال والأقوال والأحوال الظاهرة ، والهمة المتعلقة بالمطالب الروحانية ( بل صاحبها ) أي صاحب الهمة بلا عمل ( أشبه شيء بمريض سقطت قواه بالكلية ) التي هي بمثابة الأعمال الظاهرة ( وعنده الإرادة والهمة للحركة والآلة متعطلة ) لغلبة المرض ( فهل بد ) لمن يريد الوصول إلى حضرة الحق ونيل المطالب المعنوية واللحوق بالملأ الأعلى ( من الاستعداد ) بالظاهر والباطن ( على الكمال ) ولا يصح الاستعداد على الكمال إلا ( بالهمة ) التي هي كمال باطنه ( وغيرها ) من العبادات الظاهرة التي هي كمال ظاهره كما هو ديدن العباد لأن الوصول إلى اللّه كما علمت غير مرة إنما هو بالتحقق
هامش
( 1 ) الإحياء : كتاب « إحياء علوم الدين » لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي .