تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠

[ مطلب في بيان من يأخذ عن اللّه ، ومن يأخذ عن الروحانية ]

واعلم أن كل وليّ للّه ، فإنه يأخذ كل ما يأخذه بواسطة روحانية نبيّه الذي هو على شريعته ، ومن ذلك المقام يشهد . فمنهم من يعرف ذلك ، ومنهم من لا يعرفه ، ويقول : قال لي اللّه ، وليس غير تلك الروحانية . وهنا أسرار لطيفة ، تضيق هذه الأوراق عنها ، لما أردناه من التقريب والاختصار .
شرح
مطلب في بيان من يأخذ عن اللّه ، ومن يأخذ عن الروحانية ( واعلم أن كل وليّ للّه فإنه يأخذ كل ما يأخذه ) عن اللّه بلا واسطة بحسب الظاهر وعن اللّه ( بواسطة روحانية نبيّه الذي هو على شريعته ، ومن ذلك المقام ) أي مقام الأخذ عن اللّه بواسطة الرسول ( يشهد ) الولي الحق فالولي لا يشهد الحق إلا بعين نبيه ، ونبيه يشهد الحق بعينه أي بعين الحق من حيث إنه هويته ( فمنهم ) أي الأولياء ( من يعرف ذلك ) أي أنه لا يأخذ عن اللّه إلا بواسطة روحانية نبيه وهم الكمل من الورثة ( ومنهم من لا يعرفه ، ويقول : قال لي اللّه ، وليس ) القائل له ( غير تلك الروحانية ) التي هي روحانية نبيّه . ( وهنا أسرار لطيفة تضيق هذه الأوراق عنها لما أردناه من التقريب والاختصار ) ونحن نورد نبذة منها إن شاء اللّه تعالى . اعلم أن اللّه سبحانه وتعالى أوجد الأشياء على نحوين ، فمن الواحد تقول : ما أوجدها إلا عند الأسباب لمشاهدتك صدور بعضها عن بعض ، لأن اللّه تعالى أول ما خلق حقيقة محمد صلى اللّه عليه وسلم بلا واسطة ، ثم خلق بها العقل الأول ، وبه النفس وبها الطبيعة وهكذا إلى آخر التعينات ، وخلق حواء وآدم والنبيين منهما ومن بعضهم ، وهكذا سائر المخلوقات . ومن الآخر تقول : بل خلق الجميع بلا واسطة ، لأن الأسباب لها جهة من حيث هي ، وهي بها مفتقرة محتاجة ، لا فعل لها ولا أثر ولا قدرة ، وهي من هذه الجهة معدومة ، ولها وجه من حيث باريها وهو الوجه الخاص الذي للحق في كل موجود ، وقوله :كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[ القصص : الآية 88 ] يعني به هذا الوجه ، وفعل الأسباب وتأثيرها من هذا الوجه لا غير ، وهو ليس لها بوجه من الوجوه ، لأنه لو كان لها لكان عندها ولو كان عندها لهلك لقوله :ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ[ النّحل : الآية 96 ] وقد صح أن كل وجه هالك إلا وجهه وهو قوله :وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ[ النّحل : الآية 96 ] وعلى الوجه الأول لا يأخذ عن اللّه بلا واسطة إلا رسولنا صلى اللّه عليه وسلم لأنه سيد العبيد والعبد المقرب الذي يدخل الخلوة الخاصة بالملك ، وهو قوله : « لي مع الله وقت » « 1 »
هامش
( 1 ) شرح سنن ابن ماجة ( باب ذكر التوبة ، 1 / 313 ، حديث رقم 4239 ) .