تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
شرح
النفس لئلا يدخله الرياء في ذلك ، وإن كان أحد منهم يشتغل بقراءة فكتابه الرعاية للمحاسبي وما يجري مجراه ، والصنف الثاني : فوق هؤلاء يرون الأفعال كلها للّه تعالى ، وأنه لا فعل لهم أصلا فزال عنهم الرياء جملة واحدة ، وإذا سألتهم في شيء مما يحذره أهل الطريق يقولون :أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ[ الأنعام : الآية 40 ] ويقولون :قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ[ الأنعام : الآية 91 ] وهم مثل العباد في الجد والاجتهاد والورع والزهد والتوكل وغير ذلك ، غير أنهم مع ذلك يرون أن ثم شيئا فوق ما هم عليه من الأحوال والمقامات والعلوم والأسرار والكشوف والكرامات ، فتتعلق هممهم بنيلها ، فإذا نالوا شيئا من ذلك ظهروا به في العامة من الكرامات لأنهم لا يرون غير اللّه ، وهم أهل خلق وفتوة ، وهذا الصنف يسمى الصوفية وهم بالنظر إلى الطبقة الثالثة أهل رعونات وأصحاب نفوس وتلامذتهم مثلهم أصحاب دعاوي يتميزون على كل أحد من خلق اللّه ، ويظهرون الرياسة على عباد اللّه تعالى . والصنف الثالث : لا يزيدون على خمس صلوات إلا الرواتب ، ولا يتميزون على المؤمنين المؤدين فرائض اللّه تعالى بحالة زائدة يعرفون بها ، يمشون في الأسواق ويتكلمون مع الناس ، لا يبصر أحد من خلق اللّه واحدا منهم يتميز على العامة بشيء زائد من عمل مفروض أو سنة غير معتادة في العامة ، قد انفردوا مع اللّه راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع اللّه طرفة عين ، لا يعرفون للرياسة طعما لاستيلاء الربوبية على قلوبهم وذلتهم تحتها ، قد أعلمهم اللّه تعالى بالمواطن وما تستحقه من الأعمال والأحوال ، فهم يعاملون كل موطن بما يستحقه ، قد احتجبوا عن الخلق ، واستتروا عنهم بستر العوائد ، فإنهم عبيد خالصون مخلصون لسيدهم مشاهدون له على الدوام في أكلهم وشربهم ويقظتهم ونومهم وحديثهم معه في الناس ، يضعون الأسباب مواضعها ، ويعرفون حكمتها حتى تراهم كأنهم الذي خلق له كل شيء مما تراهم من إثباتهم للأسباب وحضهم عليها ، يفتقرون إلى كل شيء عندهم هو المسمى اللّه ، ولا يفتقر إليهم شيء لأنه ما ظهر عليهم من صفة الغنى باللّه ولا العزة به ، ولا أنهم من خواص الحضرة الإلهية أمر يوجب افتقار الأشياء إليهم ، وهم يرون كون الأشياء لا تفتقر إليهم ويفتقرون إليها ، لكون اللّه قال للناس :أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[ فاطر : الآية 15 ] فهم وإن استغنوا باللّه فلا يظهرون بصفة يمكن أن يطلق عليهم منها الاسم الذي وصف اللّه تعالى نفسه به وهو الاسم الغني ، وأبقوا