فإذا كان المستهلك في مقام أعلى من مقام المردود ، فلا نقول إن المردود أعلى ،
شرح
في هذا المقام أشرف من عالم الشهادة ، وإن عالم الشهادة أكمل من عالم الغيب ، والشرف بقلة الوسائط ، والكمال بالإحاطة والشمول ، فالتالي أكمل من المقدم والمقدم أشرف من التالي ، فمن وقف عند المقدم فهو شريف غير كامل ، ومن وقف عند التالي من غير أن يصل إلى المقدم فهو ناقص ، ومن وقف عنده بعد الذهاب إلى المقدم والعود إلى الثاني فهو كامل ، وإذا صح هذا صح أن ظهور الحق في آخر التنزلات أجمع وأشمل وأتم وأعم من ظهوره في غيره ، وهكذا ظهوره في كل ما هو أقرب إليه ، ومن هنا تعلم أن ظهور الحق في أجهل الناس وأعظمهم انقيادا إلى الأمور الطبيعية والنفسانية أتم من ظهوره في أعلم الناس وأعظمهم تحققا بالأمور الروحانية ، هذا بالنسبة إلى الاسم الظاهر والآخر ، وأما بالنسبة إلى الاسم الباطن والأول فبالعكس ، وإذا علمت هذا علمت أن تحقق الواصل بجسمانيته أكمل من تحققه بروحانيته ، ولهذا القطب الذي هو أكمل الطائفة أشد الناس تحقيقا بجسمانيته ، ويظهر لك ذلك من محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم النساء ومن إعادة الحق الأجسام بعد فنائها ودوام بقائها إلى الأبد وإن الجنة ونعيمها من المحسوسات ، وإذا صحت هذه القواعد صح أن الراجع أكمل من الممسوك ولكن ( بشرط أن يتماثلا في المقام ) بأن تكون غايتهما واحدة ، ولا يصح أن تحمل هذه المماثلة على المماثلة الحقيقية فإن ذلك لا يصح ، لأن اللّه تعالى ما تجلى في صورة لشخصين ولا في صورة مرتين ، ولو كان للزم التكرار في التجلي وهو لا يصح لأن الله واسع عليم ، وعلى هذا فلا يصح لواصلين أن يتماثلا في مقام أصلا إلا بالمماثلة اللغوية ، كما يقال : زيد كالأسد ويوسف كالقمر ، مثال ذلك زيد وصل إلى الاسم العليم ورجع ، وعمرو وصل إليه ومسك ، فزيد أكمل من عمرو وإن كان بينهما في الوصول إلى هذا الاسم تفاوت ، فإن ذلك لا يقدح في تفضيل زيد على عمرو .
( فإذا كان المستهلك ) الفاني ( في مقام أعلى من مقام المردود فلا نقول إن المردود أعلى ) من المستهلك مثال ذلك : زيد وصل إلى الاسم العليم ورجع ، وعمرو وصل إلى الاسم الحي ومسك ، والاسم الحي أفضل من الاسم العليم لأنه إمام الأئمة ، فزيد الممسوك أفضل من عمرو الراجع ، وإن شئت جعلت هذا المثال الذي تقدمه في المقامات حتى يناسب عبارة الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .