شرح
مطلب في بيان أدب الوقوف بين يدي الحق وبيان الجلال والجمال وحكمهما وإذا اطلعت على حقيقة التركيب الكلي ( وعاينت آداب الدخول إلى الحضرة الإلهية ) هل ينبغي أن تدخل عليها بالتنزيه النظري ولا سبيل إلى ذلك ، أو بالتنزيه المشروع وهو قوله :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشّورى : الآية 11 ] ، وسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 )[ الصّافات : الآية 180 ] أو تنزيه التنزيه وهو في طي التنزيه المشروع وهو أكمل التنزيه ، كما أن حمد الحمد أكمل الحمد ، أو بالتشبيه العقلي ولا سبيل إليه ، أو بالتشبيه المشروع وهو قوله :وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ الشّورى : الآية 11 ] ، أو تنزيه التشبيه وهي قوله :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشّورى : الآية 11 ] على أن لا تكون الكاف زائدة ، فتعلم جميع هذا من معاينتك للتركيب الكلي ، ولهذا المقام من الفروع والتفاصيل ما لم يمكن حصره ( و ) إذا عاينت آداب الدخول إلى الحضرة الإلهية فسوف تعاين ( آداب الوقوف بين يدي الحق جل وعلا ) بعد الدخول إلى حضرته ، فتعلم بماذا ينبغي أن يتصف الواقف ، هل يتصف بالقبض والبسط ، وإذا اتصف بهما هل يقابل الجمال بالبسط ؟ والجلال بالقبض كما هو المشهور عند عامة القوم ، أو يقابل الجمال بالقبض والجلال بالبسط كما هو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، قال رضي اللّه عنه : أما بعد فإن الجلال والجمال مما اعتنى بهما المحققون العالمون باللّه من أهل اللّه من أهل التصوف ، وكل واحد نطق فيهما بما يرجع إلى حاله ، وإن أكثرهم جعلوا الأنس بالجمال مربوطا والهيبة بالجلال مربوطة ، لا وليس الأمر كما قالوه بوجه ، وذلك أن الجلال والجمال وصفان للّه تعالى والهيبة والأنس وصفان للإنسان ، فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال هابت وانقبضت ، وإذا شاهدت الجمال أنست وانبسطت ، فجعلوا الجلال للقهر والجمال للرحمة وحكموا في ذلك بما وجدوه في أنفسهم ، وأريد إن شاء اللّه أن أبين عن هاتين الحقيقتين على قدر ما يساعدني اللّه تعالى به في العبارة فأقول أولا : إن الجلال للّه معنى يرجع منه إليه ، وهو الذي منعنا من المعرفة به تعالى ، والجمال : معنى يرجع منه إلينا وهو الذي أعطانا هذه المعرفة التي عندنا به ، والتنزلات والمشاهدات والأحوال ، وله فينا أمران الهيبة والأنس ، وذلك لأن لهذا الجمال علوّا ودنوا فالعلو جلال الجمال وفيه يتكلم العارفون ، وهو الذي يتجلى لهم ويتخيلون أنهم يتكلمون في الجلال الأول الذي