شرح
عن نفسه بسلام الحق عليه ، والحق أخبرنا بسلامه على يحيى فأيّ مقام أتم ؟ فقال لي : ألست من أهل القرآن ؟ قلت : بلى ، فقال : انظر فيما جمع الحق بيني وبين ابن خالتي أليس قد قال اللّه تعالى فيّ :وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ[ آل عمران : الآية 39 ] فعيّنني في النكرة . قلت له : نعم ، قال : ألم يقل عن عيسى ابن خالتيإِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ[ الأنبياء : الآية 75 ] ، كما قال عنّي فعيّنه في النكرة ؟ قلت له : نعم ، قال عيسى : هذا لما كان كلامه في المهد دلالة على براءة خالتي ، لم يترجم عن اللّه إلا هو نفسه ، فقال :وَالسَّلامُ عَلَيَّ[ مريم : الآية 33 ] يعني من اللّه ، قلت له : صدقت ، ولكن سلّم بالتعريف وسلام الحق عليك بالتنكير أعمّ فقيل لي : ما هو تعريف عين ، بل هو تعريف جنس فلا فرق بينه بالألف واللام وعدمهما فأنا وإياه في السلام على السواء في الصلاح كذلك ، وجاء الصلاح لنا بالبشرى فيّ وفي عيسى بالملائكة ، فقلت له :
أفدتني أفادك اللّه تعالى ، فلم كنت حصورا ؟ قال : ذلك من أثر همّة والدي زكريا لما شاهد خالتي وهي بتول مقطوعة من الرجال ، واستفرغت مشاهدته إياها طاقته بحيث لم يبق فيه مساغ لغيرها لما دخل عليها المحراب ورأى حالها فدعى اللّه تعالى أن يرزقه ولدا مثلها فخرجت حصورا منقطعا عن النساء ، فما هي صفة كمال وإنما كانت أثر همّة فإن في الإنتاج عين الكمال . قلت له : فنكاح الجنة ما فيه نتاج ؟ فقال : لا تفعل بل هو نتاج ولا بد وولادته نفس يخرج من الزوجة عند الفراغ من الجماع فإن الإنزال ريح كما هو في الدنيا ماء فيخرج ذلك الريح بصورة ما وقع عليه الاجتماع بين الزوجين فمنا من شهده كما هو الأمر في الدنيا فهو عالم غيب لمن غاب عنه وعالم شهادة لمن شهده ، قلت له : أفدتني أفادك اللّه من نعمة العلم به ، فقلت له :
فهذه سماؤك ؟ قال لي : لا أنا أتردد بين هارون وعيسى أكون عند هذا وقتا وعند هذا وقتا ، قلت له : فلماذا خصصت هارون دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟
فقال لي : لحرمة النسب ما جئت لعيسى إلا لكونه ابن خالتي فأزوره في سمائه فآتي إلى هارون لكون خالتي أختا له دينا ونسبا . فقلت : فما هو أخوها لأن بينهما زمانا طويلا وعالما ، فقال لي قوله :وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً[ الأعراف : الآية 73 ] ما هذه الأخوّة أترى هو أخا ثمود لأبيه وأمه فهو أخوهم فسمي القبيل باسم ثمود ، وكان صالح من نسل ثمود فهو أخوهم بلا شك ثم جاء بعد ذلك الدين ، ألا ترى أصحاب الأيكة لما لم يكونوا من مدين وكان شعيب من مدين فيقال في شعيب أخو مدين