شرح
سلي من يدقني ، وكما يقول الحوض : إذا امتلأ قطن ، وأمثال ذلك . وقال الصوفية :
بل هو بلسان فصيح لأنا لما دخلنا طريق أهل الرياضة فتح اللّه أسماعنا فسمعنا تسبيح الموجودات بآذاننا كما يسمع بعضنا كلام بعض وما ذلك على اللّه بعزيز :وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ البقرة : الآية 284 ] ، وأتوا بما يصدق دعواهم من الكتاب والسنة ما تضيق هذه الأوراق عنه وهو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، وقد صرح بذلك في مواضع كثيرة ولولا مخافة التطويل لأوردناها واللّه تعالى أعلم .
فصل قد علمت في المقدمة أن وجود الأشياء في الخارج إنما هو عند المدارك والمشاعر ، ولهذا يختلف باختلافها ، وعلمت مما تقدم أن وجود الأجسام في الخارج مثل ظهور العلم في صورة اللبن ، وليس الفرق إلا أن الأجسام الموجودة في الخارج تظهر في الخيال المنفصل الذي هو العماء ، والعلم لا يظهر في صورة اللبن إلا في الخيال المتصل ، وحقيقة الخيال واحدة ، وعلى هذا فالعالم كله خيال ، وإذا انتبهت إلى ذلك فاعلم أنه قد ظهر لنا من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، أن الرجل إذا أفضى إلى زوجته وواقعها وكانا في تلك الحالة كالمقدمتين الكبرى والصغرى وكان الإخليل كالحد الأوسط الجامع بين المقدمتين واتحدا لهذا الاجتماع المخصوص وعمّتهما اللذة لهذا الاجتماع عند ذلك ينفصل من روحهما روح الولد الذي هو النتيجة ومن جسديهما جسد الولد وليس إلا النطفة ، وإذا كان جسد كل إنسان عين روحه لتجسده في الخيال المنفصل كما تجسد الروح الأمين لمريم ولمحمد صلى اللّه عليه وسلم . كان الروح المنفصل من روحهما عين النطفة المنفصلة من جسديهما وللكلام في هذا المقام مجال رحب لا يتسع الوقت لإيراده وقد أفردنا لمعرفة ذلك رسالة ، وإذا انفصلت النطفة من الوالدين واستقرت في الرحم دبرت نفسها إلى أجل مسمى وهو زمان انطلاقها عن قيد التجسد إما بالموت الإرادي أو الطبيعي وبعد أن فهمت هذا أو ذقته .
مطلب في التحليل قبل العروج فاعلم أن السالك إذا دام على التوجه إلى اللّه وأعرض عن غيره وصار ذلك ملكة له فإنه أول ما ينفصل عن عالم الأجسام لأنه أول ما يعرض عنه ، وإعراضه عنه