والنومة لا تترك شيئا ، فيقع التيقظ عقيبها ، والاستغفار والندم .
ثم إن اللّه عزّ وجلّ يعرض عليك مراتب المملكة ابتلاء ، بأن رتب لك الفرض ،
شرح
( والنومة ) إذا غيبت السالك عن نفسه فإنها ( لا تترك ) بعد انقضاء الغيبة ( شيئا ) لأنها ذهول وهو عدمي وأثره عدمي مثله بخلاف المشاهدة فإنها وجودية وأثرها مثلها ولما كانت النومة ذهولا لهذا قال الشيخ رضي اللّه عنه ( فيقع التيقظ عقيبها والاستغفار والندم ) فإنه من سلك حتى وصل إلى حضرة الأسماء لغلبة عشقه وحبه لتلك الحضرة وغفل فيها فقد غفل في الحضرة التي يجب فيها كمال الشعور لأنها حضرة حاضرة لا بد أن يندم بعد انقضاء الذهول على فوت الزمان الذي انقضي في الغفلة عن محبوبه ، ويستغفر اللّه من كل ذلك لأنه ذنب عظيم ، ولا تظن أن الذهول لا يكون إلا للمتوسطين فإنه يقع للكمل أيضا ، قال سيد الكل في الكل : « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في كل يوم مائة مرة » « 1 » ، أو كما قال .
( ثم إن اللّه عزّ وجلّ ) بعد أن يذيقك حلاوة مشاهدته لا بد أن يمتحنك حتى يعلم هل أنت ممن يليق بجنابه أو ممن يطرد من بابه ، فإن كنت الأول اصطفاك لنفسه وإن كنت الثاني ردك إلى شهود نفسك وذلك عين طرده إياك عن بابه ، وما قدم المشاهدة على الامتحان إلا لتقوم له الحجة عليك ، فإنه ربما لو قدم الامتحان على المشاهدة لقلت عند طرده إياك عن بابه لتوجهك إلى غيره : يا رب لم طردتني لأجل توجهي إلى غيرك وأنت لم تذقني حلاوة مشاهدتك حتى تأخذني عن سواك واشتغل بها عن غيرها ، فلما قدم المشاهدة على الامتحان لم يكن لك أن تقول مثل هذا القول ، وصورة امتحانه لك بعد المشاهدة هو أن ( يعرض عليك مراتب المملكة ابتلاء ) وهو كما أذكره إن شاء اللّه وذلك ( بأن ) عرض عليك جميع مملكته على الوجه الذي سنذكره و ( رتب لك الفرض ) على وفق الترتيب الواقع في المملكة من التقدم والتأخر وذلك ليحصل لك العلم بحقيقة الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات ، فتعرف حقائقها وما تستحقه ذواتها لمراتبها ، وهذا من رحمته بك ، واحذر أن تلتفت إلى ما
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ، حديث رقم ( 41 - 2702 ) . ورواه أبو داود في سننه ، كتاب الوتر ، باب في الاستغفار ، حديث رقم ( 1515 ) . ورواه غيرهما .