[ مطلب في بيان الفناء والفرق بين المشاهدة والنومة ]
فإذا أفناك عن الذكر به فتلك عين المشاهدة ، أو النومة . وسبيل التفرقة بينهما ، أن المشاهدة تترك شاهدها ، وتقع اللذة عقيبها .
شرح
مطلب في بيان الفناء والفرق بين المشاهدة والنومة ( فإذا أفناك ) تجليه الصفاتي عن تعينك الروحي و ( عن الذكر به ) الضمير يعود إلى المذكور ( فتلك عين المشاهدة أو النومة ) وقد نقلنا كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه في المشاهدة فيما تقدم فلينظر هناك ، واعلم أن المشاهدة والنومة يشتركان في الغيبة عن الإحساس بل عن الأنانية ، ولهذا يتوهم صاحب النومة أنه صاحب مشاهدة ( وسبيل التفرقة بينهما أن المشاهدة ) إذا غيبت المشاهد عن نفسه فإنها ( تترك ) بعد انقضاء الغيبة في المحل الذي أثرت فيه ( شاهدها وتقع اللذة عقبها ) أي عقيب المشاهدة ، فإن اللذة بالشهود لا تحصل للمشاهد قبل المشاهدة ، وذلك ظاهر ولا في حالة المشاهدة لأنه في تلك الحالة فان عن نفسه بمشهوده ولا بد من الاستلذاذ به ، فلم يبق إلا أن تكون عقيب المشاهدة ، وأما الشاهد الذي تتركه المشاهدة في المحل ، فاعلم أن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه يقول : لما كان الشاهد حصول صورة المشهود فيعطي خلاف ما تعطيه الرؤية ، فإن الرؤية لا يتقدمها علم بالمرئي والشهود يتقدمه علم بالمشهود وهو المسمى بالعقائد ، ولهذا يقع الإنكار والإقرار في الشهود ولا يكون في الرؤية إلا الإقرار ليس فيها إنكار ، وإنما سمي شاهدا لأنه يشهد له ما يراه بصحة ما اعتقده ، فكل مشاهدة رؤية وما كل رؤية مشاهدة ، ولكن لا يعلمون فما يرى الحق إلا الكمل من الرجال ، ويشهده كل أحد ولا يكون عن الرؤية شاهد ، وقال تعالى في إثبات الشاهد :أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ[ هود : الآية 17 ] ويتلوه شاهد منه فيكون العبد على كشف من اللّه تعالى لما يريده به أو منه ، وذلك لا يكون له إلا بإخبار إلهي أو إعلام بالشيء قبل وقوعه وهو قول الصديق رضي اللّه عنه : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله » ، ثم إن ذلك الأمر لا يكون له عين إلا من اسم إلهي يكون ذلك أثر ذلك الاسم ، فيقوم الاسم في قلب العبد ويحضر فيه فيشهده العبد ، ثم يرى ظهور ذلك الأثر ووجوده في نفسه أو في الآفاق من الذي تقدم له به الإعلام ، فيسمى ذلك الاسم شاهدا حيث شهده هذا العبد متعلق ذلك الأثر المعلوم عنده ، وهذا لا يكون إلا للكمل من الرجال فهم أصحاب شهود في كل أثر يشهدونه بعد العلم الإلهي لهم به على طريق الخبر . وقال رضي اللّه تعالى عنه : الشاهد ما تعطيه المشاهدة من الأثر في قلب المشاهد فذلك هو الشاهد وهو على حقيقة ما يضبطه القلب من صور المشهود انتهى .