شرح
مندوب فاحفظ أول الخاطر فأثبت عليه ، فإذا خطر لك أن تتركه لمندوب آخر هو أعلى منه أو أولى بك فإن الخاطر الثاني قد يكون من إبليس فلا تعدل عن الأول وأثبت عليه واحفظ على الثاني وافعل الأول ولا بد ، فإذا فرغت منه أشرع في الثاني فافعله أيضا فإن الشيطان يرجع خاسئا بلا شك ، هذا كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . وإنما تعرض الخواطر الردية لمن يفتر عن الذكر والمراقبة ، وأما من لم يفتر فلا تعرض له إلا الخواطر المحمودة . واعلم أن الخواطر أربعة : ملكي ونفسي وشيطاني وقد عرفتها وإلهي وستعرفه إن شاء اللّه الواردات أربعة بلا واسطة . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : إن الوارد الإلهي يرفع الوسائط الروحانية ليسري في كلية الإنسان ويأخذ كل عضو بل كل جوهر فرد فيه حظّا من ذلك الوارد الإلهي من لطف وكثافة ولا يشعر بذلك جليسه ولا يتغير عليه من حاله الذي هو عليه من جليسه شيء ، إن كان يأكل بقي على أكله في حاله أو شربه أو حديثه ، الذي هو عليه في حديثه فإن ذلك الوارد يعم وهو قوله تعالى :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد : الآية 4 ] انتهى .
وعلى هذا المنوال هو الخاطر الإلهي فإنه يعم الواجب والمباح والمندوب والمحظور من حيث العلم لا من حيث العمل والترك ، فإنهما مخصوصان بالملك والنفس والشيطان وليس لهما دخل في الوارد الرباني لأنه لا يأتي بهما وإنما يأتي ، بالعلم ، ولو كان أتى بهما لكان آمرا بالفحشاء ، واللّه لا يأمر بالفحشاء وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحكم الأصل ولغيرهم بالتبعيّة ، ووارد إلهي بواسطة الملك وهو إذا ورد على صاحبه وكان قويّا لما يرد به من الإجمال ، غاية فعله في الجسم أن يضجعه ويغيبه عن إحساسه ولا تصدر منه حركة أصلا بوجه من الوجوه ، سواء كان من الرجال الأكابر أو الأصاغر ، وهكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . وقال : وإنما يضجعه لأن نشأة الإنسان مخلوقة من تراب ، قال تعالى :مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ( 55 )[ طه : الآية 55 ] وإن كان فيه من جميع العناصر لكن العنصر الأعظم التراب ، قال تعالى فيه أيضا :إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ[ آل عمران : الآية 59 ] والإنسان في قعوده وقيامه بعيد عن أصله الذي منه نشأ فإن قعوده وقيامه وركوعه فروع ، فإذا جاءه الوارد الإلهي وللوارد الإلهي صفة القيومية وهي في الإنسان من حيث جسميته بحكم العرض ومن حيث روحه بحكم الأصل وهي المدبر هو الذي كان يقيمه ويقعده ، فإذا اشتغل الروح