تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
وألم وكرب وحيرة وذلة ، ويترك تخبيطا ، فتحفظ ، ولا تزل ذاكرا بقلبك حتى ينزعه اللّه عن قلبك ، وهو المطلوب .
شرح
( وألم وكرب وحيرة وذلة ) وتتغير لك صورتك ( ويترك تخبيطا ) وذلك لأن الشيطان من مارج من نار فإذا ورد على القلب زادت حرارته وأخذه الخفقان وغلى ذلك الدم وتموج في مجاريه وتعبت العروق والأعصاب من شدة حركته وتموجه ، فإذا صدر عنه دفعة خدرت المفاصل وسكن اضطراب العروق فأدى ذلك إلى ألم وتهريس في الأعضاء وكرب لغلبة الحرارة على القلب وحيرة في النفس لأنها متأهبة لما يرد عليها من الحق ، فإذا كان الوارد شيطانيّا ظنت النفس أنه إلهي فتوجهت إلى قبوله فرأت سرعة تغيره واستحالته لأنه مخلوق من نار فأدى ذلك إلى تحيرها ، ولهذا إذا صدر يترك تخبيطا لأنه حير النفس وأزعج المزاج ويعقبه ذلة لأنه ذليل من حين طرد ولعن فلا يكون أثره إلا على وفق طبعه ، وبعد أن علمت الفرق بين الواردات الشيطانية والملكية وورد شيطان عليك ( فتحفظ ) منه بالتوجه والمراقبة ، واحذر أن يتخلل مراقبتك فتور فإنك متى فترت مراقبتك ظهر الشيطان فيك بسلطانه ، ولا يرد عليك أبدا إلا إذا تخلل الفتور لمراقبتك ومتى لم يتخلل فلا يرد أبدا ، وإذا ورد تخلله وجمعت نفسك على التوجه خسيء وذهب عنك وهو منكوب مطرود تطرده الملائكة الموكلة بك فإن اللّه يحفظ من اشتغل به وأعرض عن غيره ، وإلى هذا أشار الشيخ رضي الله تعالى عنه بقوله ( ولا تزل ذاكرا بقلبك حتى ينزعه اللّه عن قلبك وهو المطلوب ) فإن اللّه جليس من ذكره والشيطان مبعود عن اللّه تعالى فلا يجمع اللّه والشيطان مجلس أبدا . مطلب في بيان الفرق بين الخاطر الشيطاني والملكي وينبغي لك أن تفرق بين الخواطر كما فرقت بين الواردات ، فإذا خطر لك خاطر في محظور أو مكروه فاعلم أنه من الشيطان بلا شك ، وإذا خطر لك خاطر في مباح فلتعلم أنه من النفس بلا شك ، فخاطر الشيطان بالمحظور والمكروه ، اجتنبه فعلا كان أو تركا ، والمباح أنت مخير فيه فإن غلب عليك طلب الأرباح فاجتنب المباح واشتغل بالواجب والمندوب ، غير أنك إذا تصرفت في المباح فتصرف فيه على حضور أنه مباح ، وأن الشارع لولا ما أباحه لك ما تصرفت فيه فتكون مأجورا في مباحك لا من حيث كونه مباحا بل من حيث إيمانك به أنه شرع من عند الله ، وإن خطر لك خاطر في فرض فقم إليه بلا شك فإنه من الملك ، وإذا خطر لك خاطر في
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار — صفحة 103 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي