[ مطلب في غذاء الجسم وقت الخلوة وتفصيله ]
وتحفظ في غذائك ، واجتهد أن يكون دسما ، ولكن من غير حيوان فإنه أحسن ، واحذر من الشبع ، ومن الجوع المفرط .
شرح
بحيث غفلت عمن سواه فظنت أنها هو كما ظنت أولا أنها عين الهيكل وهي غيره فافهم فإنه من لباب المعرفة واللّه أعلم .
مطلب في غذاء الجسم وقت الخلوة وتفصيله ( وتحفظ في غذائك ) وأبذل جهدك في أن يكون من وجه لا يريبك فإن الورع في المطعم عماد طريق اللّه ، ولا يصح السلوك ولا ينتج إلا به ( واجتهد أن يكون دسما ) حتى لا ينحرف المزاج لغلبة اليبس ( ولكن من غير حيوان ) فإن دسم الحيوان يقوي الحيوانية ويغلب أحكامها على أحكام الروحانية ، وذلك لأن كل جسم ظهرت فيه الحياة السببية لتعلق روح من الأرواح به إذا صار غذاء جسم آخر واختلط بالروح البخاري الساري فيه واستحال إليه وإلى الدم ، فإن خاصية روحه تتبعه لأنها معه وتظهر فيما استحال إليه ، وإذا كان الأمر على هذا فعليك بالدسم الغير الحيواني مثل دهن اللوز والسمسم والزيتون ( فإنه أحسن ، واحذر من الشبع ) المؤدي إلى النوم والكسل وتقوية شهوة الفرج والحركة المستغنى عنها وكثرة الكلام والغضب وفضول الجوارح ( ومن الجوع المفرط ) المؤدي إلى سقوط القوة ويبس الدماغ وفساد الخيال وانحراف المزاج . قال الشيخ رضي اللّه عنه : ولا تأكل إلا عن فاقة ، ولا تشبع ولا تكثر شرب الماء ولا تأكل تصنعا ولا تعززا ولكن كل على قدر حاجتك إلى الطعام ، ولا تشره إليه لجوعك بل خذ اللقمة متوسطة فإذا جعلتها في فيك فاشدد مضغها ، وسمّ اللّه تعالى عليها فإذا مضغتها فابلعها ثم أحمد اللّه الذي سوّغها وحينئذ تمد يدك إلى لقمة أخرى فتسمي اللّه أيضا مثل الأخرى حتى تبلعها ثم تحمد اللّه تعالى وحينئذ تمد يدك إلى لقمة غيرها حتى تأخذ حاجتك ، وكل مما يليك ولو كنت وحدك لئلا تعتاد سوء الأدب ، واحذر الشهوة ولا تنظر إلى وجه أكيلك ولا إلى يده ولتنظر بقلبك في ذلك إلى تنزيه من يطعم ولا يطعم فيتبين لك نقصك وعجزك فتكون في عبادة في أكلك ، ولا تلتفت ولا تصغ لمن يقول لك إنك تأكل قليلا فيؤذيك ذلك إلى تركه رياء حتى يقال : إنك تأكل قليلا ، وإذا حضرت على مائدة طعام فكن آخر من يرفع يده ولا تفم حتى ترفع المائدة ، ولا تأكل في بيتك ثم تأتي الجماعة فتأكل معها بالتعزز كأنك قليل الأكل فإن ذلك من شيم المنافقين ، وليكن أكلك من وقت إلى وقت انتهى . ولا يصح تعيين الغذاء فإن الأغذية تابعة للمزاج فتختلف باختلافه قال الشيخ رضي اللّه عنه : وأما