يبق له غيرك ، فلما علم صدق الدعاء من قلبي مع الإياس مني ، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ، ونصب الخلائق بين يدي مع إعراضي عنهم .
وقيل لأبي يزيد : بم نلت هذه الدرجة ؟ .
قال : جمعت أسباب الدنيا كلها فربطتها بحبل القنوع ، ووضعتها في منجنيق الصدق ، ورميت بها في بحر الإياس واسترحت .
وقيل له : وبم بلغت إلى ما بلغت ؟ .
قال : بأشياء : اتخذت اللّه سبحانه معلما ، فقلت : إن لم يكفك ربك لم يكفك أحد غيره في السماوات والأراضين ، وشغلت لساني بذكره وبدني بخدمته كلما أعيت جارحة رجعت إلى الأخرى ، ثم قيل : أبو يزيد أبو يزيد .
وقيل له : بم يصل العبد إلى اللّه تعالى ؟ .
قال : بالخرس والصمم والعمى .
وقيل [ له ] أيضا : بم نلت ما نلت ؟ .
قال : انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها .
وقيل له أيضا : بم نالوا ما نالوا ؟ بتضييع ما لهم وشهود ماله .
وقيل له : بأي شيء وجدت هذه المعرفة ؟ .
قال : ببطن جائع وبدن عار .
قال عمي موسى بن عيسى ، سمعت أبي يقول :
سمعت أبا يزيد يقول : ورد علي رجل من أرباب [ ق 6 / أ ] الحال ، فقال :
يا أبا يزيد بماذا وجدت هذه المنزلة ؟ فقال أبو يزيد : دع عنك وجود المنزلة ، ولكني أكرمني الحق سبحانه بثمانية كرامات ، ثم بعدها ناداني أبا يزيد .
أولها : رأيت نفسي متأخرة ورأيت الخلق قد سبقوني .
والثانية : رضيت بأن أحرق بالنار بدل خلقه شفقة عليهم .
والثالثة : قصدي إدخال الفرح في قلب مؤمن .
والرابعة : لم أمسك شيئا [ قط ] لغد .
والخامسة : أردت رحمة اللّه بالناس أكثر مما أردتها لنفسي .
روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الجنيد البغدادى وإبي يزيد طيفور — صفحة 25
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٥