[ ق 88 / ب ] وأما الأنبياء عليهم السلام تملكوا ناصية الأحوال وتسيطروا عليها ، فصار إظهار خوارق العادات لهم ملكة يأتون بها متى شاءوا على بصيرة وتيقظ ، وكذلك الولي .
ومن كلامه في قوله تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام :
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] إن قوله تعالى : لن تراني ومنعه عليه السلام الرؤية لم يكن نقصا في حق موسى عليه السلام بل كان تتمة لحاله وكمالا لمقامه لأنه عليه السلام استكمل بالمنع مقام الشوق ، لأن مقام الشوق لا يكمل إلا بالمنع ، والسر أن موسى عليه السلام أراد أن يكون لبصره الظاهر قسط [ من ] صفو المشاهدة وروحها كما كان لبصيرته الباطنة ليكون البصر والبصيرة كلامها مشاهدين معانين فمنع منه تكميلا لشوقه وإتماما لطلبه .
ومن كلامه في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] .
إن السالك في أول سلوكه أول ما يبدو له من لوائح أنوار التوحيد يكون على مقدار كوكب ، فإذا توغل في السلوك وتجرد عن العلائق ازدادت تلك اللوائح لمعانا على مقدار نور القمر ، فإذا ارتقى في سلوكه رتبه أخرى تلمع على مقدار الشمس ، وإلى هذا الحد يكون السالك بعد في [ مقام ] التكوين ، فإذا جاوز التكوين إلى مخدع التمكين ، ولاح له ناصية مقام التوحيد وقطع شباك الأحوال بقوة التفريد واستغرق في تيار بحار القرب ، قال حينئذ مجهرا :
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
[ الأنعام : 79 ] وأنشد مستشهدا [ ق 98 / أ ] :
من كان في ظلم الليالي ساريا * رصد النجوم وأوقد المصباح
حتى إذا ما لبدر أرشد ضوء * ترك النجوم وراقب إلا صباحا
حتى إذا إنجاب الظلام بأسره * ورأى الصباح بأفقه قد لاحا
ترك المسارج والكواكب كلها * والبدر وارتقب السنا الوضاحا
وكتب إليه الشيخ الإمام مجد الدين الخوزي رحمه اللّه :
يا من سقاه اللّه صرف وداده * وأنا له من قربة مأموله
ما ذا النكير على السماع لعاشق * جعل السماع إلى الحبيب رسوله