محمد بن عمر المالكي المذكور ، وقال له : يا سيدي لك عندي كذا من القمح وعيّن قدرا [ ق 84 / ب ] جيدا يليق بمثله وهو يأتيك إن شاء اللّه تعالى ، فبات الفقيه تلك الليلة مسرورا ، وجعل يفكر في ذلك القمح كم يكفي عياله ، وكان ذا عيال ، وكم يطعم جيرانه وغير ذلك ، ثم انتظر القمح فلم يأته شيء ، ثم لقي الرجل صاحب القمح ، فقال له : يا سيدي ما وصل إليكم القمح ؟ فقال له الفقيه :
لا ، فقال : واللّه لقد نفد القمح ونسيناك .
قال : بات الفقيه تلك الليلة بضد ما به بات تلك الليلة الأولى من الاهتمام ، ونام فبينما هو نائم وإذا به يرى الشيخ شهاب الدين السهروردي ، يقول له : يا محمد الاهتمام بالدنيا إلى هذا الحد ، ويكرر عليه والفقيه يعتذر بكثرة العيال وضيق الحجاز ، وكان وقت ضيق في الأقوات ، فقال له الشيخ شهاب الدين رضي اللّه عنه : قل :
فعلّمه هذا الدعاء المذكور أولا .
قال السيد الشريف أبو عبد اللّه ويظهر واللّه أعلم أن ذلك القمح لم يكن طيبا ، ولهذا صرف عن هذا الفقيه ، والدليل عليه قوله في الدعاء :
« وجنبنا اللهم الحرام أين كان وحيث كان وعند من كان ، واقبض عنا أيديهم واصرف عنا قلوبهم » .
فيه تنبيه بيّن على ما ذكرته .
وكان الفقيه ضياء الدين أبو عبد اللّه محمد بن عمر المالكي من أفضل أهل زمانه علما ونزاهة وعفافا ، وكان عالما بالأصول ، والفقه ، والحديث والعربية ، وكان شاعرا حسن الشعر ، وقرأ كتاب عوارف المعارف على مؤلفه الإمام شهاب الدين السهروردي بمكة المشرفة ، وصحبة سنة ست وعشرين ، وسمع بقراءته جماعة من الأكابر والعلماء .
قال الشريف أبو عبد اللّه الحسني الفاسي : وهذا مما يدل أن الأكابر لا يغفلون عن أصحابهم في الحياة والممات .
وقد قالوا : الشيخ لا يغفل عن صاحبه ، فلما وقع لهذا الفقيه هذا الالتفات [ ق 85 / أ ] جاءه الإمام الكبير الذي صحبه ، فنبهه ، وأدبه ، وعرفه الطريق الذي منها نبله وخيره .
روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الجنيد البغدادى وإبي يزيد طيفور — صفحة 183
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٨٣