الوقوف وهمّ الجواب عن ذكر الجنة والنار وذكر الثواب ، ثم قال : أنا استغفر اللّه من شهوة الكلام . تنحّوا عني ، فخليناه وهو يبكي وقد ملئنا منه هما وغما .
وقال الجنيد : سمعت سريا يقول :
بدوت يوما من الأيام وأنا حدث فطاب وقتي وجن علي الليل وأنا بفناء جبل لا أنيس به فناداني في جوف الليل مناد : لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فوت المحبوب .
قال : فتعجبت ، وقلت : [ 58 / ب ] أجيّ يناديني أو إنسي ؟ فقال : بل جني مؤمن باللّه ومعي إخواني ، قلت : فهل عندهم ما عندك ؟ .
قال : نعم وزيادة .
قال : فناداني الثاني منهم : لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الغربة .
قال : فقلت في نفسي : ما أبلغ كلامهم ، فنادني الثالث منهم : من أنس به في الظلام نشر له غدا الأعلام .
قال : فصعقت ، فما أفقت إلا برائحة الطيب ، فإذا أترجة على صدري فشممتها ، فأفقت فقلت : وصية رحمكم اللّه ! فقالوا جميعا : أبى اللّه إلا أن تحيا به قلوب المتقين ، فمن طمع في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع ، ومن اتبع طبيبا مريضا دامت علته ، ومن اتبع الدليل الحائر رجع وهو كليل ، وفقنا اللّه وإياك .
وودّعوني ومضوا وقد أتى علي حين فلا أزال أرى بركة كلامهم موجودة في خاطري .
قال الجنيد : دخلت يوما على السري ، فقال لي : ما أوائل أحوال الصديقين ؟
قلت : لا أدري فقال : ثلاثة من أحوال الصديقين : أن يكونوا بما في أيديهم وإخوانهم سواء ، ويطالبون نفوسهم بما للّه عليهم ، وإذا عرض أمران للّه فيهما رضا حملوا أنفسهم على أصعبهما وأشدهما ، وإن كان فيه تلف نفوسهم .
وقال أبو إسحاق الحبلى :
دخلت على علي بن عبد الحميد الغضائري رحمه اللّه فوجدته من أفضل خلق اللّه تعالى ، وكان لا يتفرغ من الصلاة آناء الليل والنهار فانتظرت فراغه ، وقلت : إنا تركنا الآباء والأمهات والأهل والوطن بالرحلة إليك ، فقد تفرغت ساعة فتحدثنا بما عندك عما آتاك اللّه تعالى من العلم ، فقال : أدركني دعاء الشيخ