وفي قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله :
« أسلم شيطاني على يدي » تنبيه على هذا - فانتبه يا مسكين وانزعج من مرقد النائمين .
وأمّا مرتبة الأخصّين : فهي من حيث العلم والعمل إنّما تكون بعد رفع حجب الأنانيّة بتجلّي الحقّ بالصفات التمجيديّة والنعوت التقديسيّة ، فإذا أفناه عنه بصفة الجلال يبقيه بصفة الجمال ، ويعيد إليه عقله وسمعه وبصره ، فلم يبق له الأين والبين ، وبقي في العين ، فيشاهد بنور الحقّ جميع الحقائق العينيّة ، وينفذ نور بصره في أعيان الملك والملكوت ، والخلق والأمر ، وفي هذه المرتبة يكون العلم والعمل شيئا واحدا .
والإيمان في المرتبة الأولى غيبي وفي الثانية عينّي ، وفي الثالثة عياني .
وهذا كما كان حال النبيّ صلّى اللّه عليه واله ليلة المعراج ، فلمّا بلغ السدرة كان بعد في حيّز الأين ، فلمّا جذبته العناية من الأين إلى العين
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 10 ] وهو المشار إليه بقول تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
[ البقرة : 285 ] - أي : من صفات ربه وأفعاله - فآمنت ذاته بذاته ، وصفاته بصفاته ، وأفعاله بأفعاله . فصار كلّ وجوده مؤمنا باللّه إيمانا عيانيّا .
وفي هذا المقام أسرار عظيمة لا يحتمله العقول المجرّدة ؛ فضلا عن العقول الملابسة المغشّاة بغشاوة الوهم والخيال ، ويشمئزّ عنه طبائع أهل التقليد والجدال .
اللهمّ لا تجعل هذه الكلمات مضلّة الجهّال والأرذال ، واجعلها سببا لزيادة بصيرة أهل الكمال ، وموجبة لإنارة قلوب الرجال ، الذين لا تليهيهم