كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 27 و 26 ] .
كما سبق تأويلهما إشارة إليه .
ومثال فناء العبد في الرّبّ - إن لم تفهم هذه العبارة - كفناء نور الكواكب في نور الشّمس عند استوائها في قطب الفلك ، أو فناء الأمواج في البحر على التّواتر والتّوالي ، كما قيل :
البحر بحر على ما كان من قدم * انّ الحوادث أمواج وأنهار « 53 »
. ولهذا قيل : الباقي باق في الأزل ، والفاني فإن لم يزل .
وعلم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين إشارة إلى المعارف الثلاث ، ولهذا حق اليقين خصّ بمقام الفناء واضمحلال رسم العبد في الرّبّ ، كما أشاروا إليه : « انّما ثبت الحق عند اضمحلال الرّسم » .
وبالجملة فإذا حصل للشخص هذا الفناء ، وفنى وجوده في وجود الحق ، وذاته في ذاته ، وصفاته في صفاته ، وانمحى رسمه وزال عنه اسمه ، كفناء نور الكواكب في نور الشمس ، وشاهد الحق بالحق على ما هو عليه في مظاهر كمالاته وصفاته ، وعرف معنى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] .
وشاهد سرّ قوله :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] .
هامش
( 53 ) قوله : البحر بحر ، الشعر
منسوب إلى ابن العربي وثمامة :لا يحجبّنك أشكال يشاكلها * عمّن تشكّل فيها فهي أستار