وليس المراد بهذا الفناء فناء الأعيان ، حتّى يتوهّم المحجوب منه ذلك ، بل المراد بعد الفناء في العرفان على الوجه الّذي قرّرناه مرارا ، لأنّ الأنبياء والرّسل والأولياء والعارفين منهم كانوا فانين فيه ، باقين به ، وأعيانهم كانت موجودة ، مع أنّهم فانين ، فافهم جدّا ، فانّ فناء نبيّنا صلّى اللّه عليه واله لا يمنع عن المآكل والمشارب والمناكح أيضا ، وقوله :
« لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبّي مرسل » « 52 » .
إشارة إلى مقام الفناء ، وقوله :
أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ الكهف : 110 ] .
إشارة إلى مقام البقاء ،
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ العنكبوت : 43 ] .
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ القصص : 88 ] .
هامش
( 52 ) قوله : لي مع اللّه وقت .
رواه المجلسي في بحار الأنوار ج 82 ص 243 وج 18 ص 360 مع زيادة :
« ولا عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان »
الظاهر انّه إشارة أو فيه إشارة إلى المقام الّذي نعبّر عنه بمقام « أو أدنى » ومقام العنديّة في قوله تعالى :قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى[ النجم : 9 ] .
وقوله تعالى :عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[ القمر : 55 ] .
والذي هو مقام فوق مقام التجرّد للإنسان ، وفوق مرتبة « الخلق والأمر » أي تجرّد الانسان عن الكونين واستغراقه باللقاء والنجوى ، فلا يكون بينه وبين اللّه سبحانه وتعالى أحد حتّى نفسه الّذي عبّر به بالمرسل .