وما جعلتني كذا ؟ كالشقّي مثلا بالنسبة إلى السعيد ، فإنّ له أن يقول : لم جعلتني شقيّا وما جعلتني سعيدا ؟ وكذلك الجاهل بالنسبة إلى العالم ، والفقير إلى الغني ، وبهذا يكون لهم على اللّه حجّة من غير العكس ، وقد قال اللّه تعالى :
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ الأنعام : 149 ] .
وليس من هذا الإلزام لهم مفرّ ولا مرجع إلّا التسليم والرضا بما قضى ، ورجوع الأمر إلى علمه وحكمته بمقتضى إرادته ومشيّته .
ولا شكّ أنّ هذا الجواب غير موجّه ومن هذا قال :
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
[ المائدة : 101 ] .
والحقّ أنّه اعتقاد غير مطابق .
( القول بأنّ الماهيّات ليست بجعل الجاعل )
وأما الطائفة الثانية : فقالوا : إنّ الحقائق والأعيان والماهيّات ليست بجعل الجاعل ؛ لأنّها معلوماته الأزليّة ، والمعلومات الأزليّة لا يجوز أن يكون مجعولة ، لأنّها لو كانت مجعولة لزم سبق العلم على المعلوم بزمان أو أزمتة ، أو عدم العلم بالمعلومات الأزليّة قبل أن يجعلها مجعولة له ، والقسمين بأسرهما باطلان ، فلم يبق إلّا يكون معلوماته غير مجعولة له .
وأيضا قد تقرّر في الأصول أنّ العلم تابع للمعلوم ، ووجود التابع الّذي هو العلم بغير الوجود المتبوع الّذي هو المعلوم محال ، لأن العلم لا يصدق عليه أنّه علم إلّا إذا طابق المعلوم وإلّا يسمّى جهلا تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .