بمخترع له ، وانّما المخترع له من اخترع مثاله في نفسه ثم علّمه ، وان نسب الناس الاختراع لك فيه من حيث انّهم لم يشاهدوا ذلك الشيء من غيرك .
( 302 ) « فارجع أنت إلى ما تعرفه من نفسك ، ولا تلتفت إلى من لم يعلم ذلك منك . فانّ الحق سبحانه ما دبّر العالم تدبير من لم يحصل ما ليس عنده ، ولا فكّر فيه ، ولا يجوز عليه ذلك ، ولا اخترع في نفسه شيئا لم يكن عليه ، ولا قال في نفسه : هل نعمله كذا أو كذا ؟ هذا كله ما لا يجوز عليه . فانّ المخترع للشيء يأخذ أجزاء موجودة ، متفرقة في الموجودات ، فيؤلفها في ذهنه ووهمه تأليفا لم يسبق اليه في علمه ، وان سبق فلا يبالي ، فإنه في ذلك بمنزلة الاوّل الذي لم يسبقه أحد اليه ، كما تفعله الشعراء ، والكتّاب والفصحاء في اختراع المعاني المبتكرة .
( 303 ) « فثمّ اختراع قد سبق اليه ، فيتخيل السامع أنه سرقه .
فلا ينبغي للمخترع أن ينظر إلى أحد الا ما حدث عنده خاصة ، ان أراد أن يلتذّ ويستمتع بلذة الاختراع . ومهما نظر المخترع لأمر ما إلى من سبقه فيه ، بعد ما اخترعه ، ربّما هلك وتفطرت كبده . وأكثر العلماء ( ضربا ) بالاختراع البلغاء والمهندسون ، ومن أصحاب الصنائع ، النّجارون والبنّاءون . فهؤلاء أكثر الناس اختراعا ، وأذكاهم فطرة ، وأشدهم تصرّفا لعقولهم .
( 304 ) « فقد صحّت حقيقة الاختراع لمن استخرج بالفكر ما لم يكن يعلم قبل ذلك ، ولا علمه غيره بالقوة ، أو بالقوة والفعل ، ان كان من العلوم التي غايتها العمل . والباري سبحانه لم يزل عالما بالعالم أزلا ، ولم يكن على حالة لم يكن فيها بالعالم غير عالم ، فما اخترع في نفسه شيئا لم يكن يعلمه . فإذ قد ثبت عند العلماء باللّه قدم علمه ، فقد ثبت كونه تعالى مخترعا لنا بالفعل ، لا أنّه اخترع مثالنا في نفسه ، الذي هو صورة
المقدمات من كتاب نص النصوص — صفحة 129
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص١٢٩