ويفهم من معنى « الاستواء » القهر والغلبة ، ومقتضاهما في حقّ اللّه تعالى أن لا يكون لغيره وجود مع وجوده ، ولا ظهور مع ظهوره فلا جرم لمّا كان الحق مستويا برحمانيته على عرشه الذي العوالم كلّها في طيّه كان العرش غيبا في الرحمانية مندرجا فيها والعوالم كلها غيب في العرش ؛ لأنها في طيّه ، فلا ظهور إذن للعرش ، ولا للعوالم ، وإنما الظهور التامّ للّه عزّ وجلّ .
محقت الآثار بالآثار .
كما بين العوالم والعرش .
ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار .
كما بين العرش والرحمانية ، ومحيطات أفلاك الأنوار ، هي : أسماء اللّه الحسنى ، واللّه تعالى أعلم .
يا من احتجب في سرادقات عزّه عن أن تدركه الأبصار .
عزّة اللّه تعالى اقتضت كون كلّ ما سواه محجوبا عن رؤيته للّه عزّ وجلّ ؛ فإن العزيز معناه المنيع الذي لا يوصل إليه ، يقال : « حصن عزيز » إذا تعذّر الوصول إليه .
وقيل : العزيز : الذي لا يرتقى إليه وهم طمعا في تقديره ، ولا يسمو إلى صمديته فهم قصدا إلى تصويره .
وقيل : العزيز : من ضلّت العقول في بحار تعظيمه ، وحارت الألباب دون إدراك نعته ، وكلّت الألسنة عن استيفاء مدح جلاله ، ووصف جماله ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » .
وذكر السرادقات مضافة إلى عزّه ، واحتجابه فيها ، مجاز حسن .
يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته الأسرار .
كمال بهائه : محاسن صفاته وأسمائه ، فبظهور ذلك وتجلّيه تحققت عظمته أسرار العارفين .
كيف تخفى وأنت الظاهر ، أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر ، واللّه الموفق وبه أستعين .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( صلاة ، 222 ) ، وأبو داود ( صلاة ، 148 ) ، ( وتر ، 5 ) ، والنسائي ( قيام الليل ، 51 ) ، والترمذي ( دعوات ، 75 ، 112 ) ، وابن ماجة ( دعاء ، 3 ) ، ( إقامة ، 117 ) ، والموطأ ( حسن القرآن ، 31 ) ، وأحمد بن حنبل ( 1 ، 96 ، 118 ، 150 ، 6 ، 58 ) .