إلهي : كيف أستعزّ وأنت في الذلة أركزتني ، أم كيف لا أستعز وإليك نسبتني . أم كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقر أقمتني ، أم كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني .
تلوّنه في هذه الأوصاف المتضادّة لما يغلب عليه من مشاهدة ما يوجبها .
والذلة المثبتة هنا هي : ذلة الخليقة والعبودية .
والنسبة التي أشار إليها هي : سرّ الخصوصية .
والافتقار بمعنى الذلة ، والاستغناء بمعنى العزّة .
قال بعضهم : « رأيت ذلّ كلّ ذي ذلّ فزاد ذلي على ذلّهم ، ونظرت عزّ كلّ ذي عزّ فزاد عزّي على عزّهم » .
وقال الشبلي ، رضي اللّه تعالى عنه : « لقد ذللت حتى عزّ في ذلي كلّ ذي ذلّ ، وعززت حتى ما تعزز أحد إلا بي وبمن به تعززت » .
أنت الذي لا إله غيرك تعرّفت لكل شيء فما جهلك شيء وأنت الذي تعرّفت إلي في كل شيء ، فرأيتك ظاهرا في كل شيء . فأنت الظاهر لكل شيء .
هذا كلّه تقدّم معناه ولفظه في كلام المؤلف على غاية الكمال والتمام .
والحاصل منه أنّ الظهور التام للّه تعالى بكل اعتبار ، ثم إنه عبّر هنا عن ذلك بعبارة لم يذكرها فيما تقدم وهو قوله :
يا من استوى برحمانيته على عرشه فصار العرش غيبا في رحمانيته كما صارت العوالم غيبا في عرشه .
كلما أشار بهذا إلى معنى قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] ، وقوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ
[ الفرقان : 59 ] ورحمانية اللّه : كونه رحمانا . والرحمن اسم اللّه تعالى يقتضى وجود كل موجود ، وهو مشتق من الرحمة ، والرحمة ، هاهنا ، هي : الرحمة العامة التي وسعت كلّ شيء كما وسع علمه كلّ شيء في قوله تعالى مخبرا عن حملة العرش إذ قالوا :
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
[ غافر : 7 ] ، ولذلك دخلت تحت مقتضى اسمه « الرحمن » جميع أسمائه تعالى الإيجادية .