قال أبو يزيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « غلطت في ابتداء أمري في أربعة أشياء :
توهّمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه ، فلما انتهي رأيت ذكره سبق ذكري ، ومعرفته تقدمت معرفتي ، ومحبته أقدم من محبتي ، وطلبه لي أول حتى طلبته » .
فإذا كانت له الأولية في ذلك لم يبق للعبد وسيلة يتوسّل بها سوى فضله وكرمه .
وممّا يوافق ما ذكره المؤلف ، ما حكى عن الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه كان يقول في مناجاته : « يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه ، ويا بادىء العارفين بما به عرفوه ، ويا موفّق العابدين لصالح ما عملوه ، من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك ، من ذا الذي يذكرك إلا بفضلك » .
واستقراض الربّ من عبده ما وهبه له غاية في ترفيعه لقدره ، وإبانته لشرفه ، ووعده مع ذلك جزيل الثواب عليه نهاية في إكرامه له وتفضله عليه .
قال بعضهم : ملّكك ، ثم اشترى منك ما ملّكك ، ليثبت لك معه نسبة ، ثم استقرض منك ما اشتراه ، ثم وعدك عليه من العوض أضعافا بيّن فيه أن نعمه وعطاياه بعيدتان أن يكونا مشوبتين بالعلل .
إلّهي : اطلبني برحمتك حتى أصل إليك ، واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك .
لا سبيل للعبد إلى وصوله إلى اللّه إلا برحمته ؛ فلذلك طلب منه أن يطلبه بها ولا يتأتى له الإقبال عليه إلا بمنّته ، فلذلك طلب منه أن يجذبه إليه بها ، وذلك لتحقق الأولوية التي ذكرناها من قبل .
إلهي إن رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك ، كما أن خوفي لا يزايلني إن أطعتك .
الخوف والرجاء حالان يتعاقبان على قلب العبد ، واعتدالهما واستواؤهما هو المطلوب ، سواء كان العبد في طاعة أو في معصية ، وقد مثّلوا ذلك بكفتي الميزان وجناحي الطائر ، وهذا من أعلى مشاهدة العارفين والأولياء ، وذلك لأن منشأهما عندهم إنما هو من شهود الصفات المخوفة والمرجوّة ، وصفات اللّه تعالى لا تفاوت فيها ، فكذلك مشاهدتها لا تفاوت فيها ، فإن وقع فيها تفاوت كانت مشاهدة ناقصة ، وأحوالا معلولة ؛ فلذلك يتصوّر وجود كمال الخوف مع عمل العبد بالطاعة ، وغلبة الرجاء مع ارتكابه المعصية كما وصف به المؤلف نفسه .
قال يحيى بن معاذ ، رضي اللّه تعالى عنه : « يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال ؛ لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص ، وكيف أحررها وأنا بالآفة معروف ؟ ! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك ، وكيف لا تغفرها وأنت