تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 901

مساهمون:

ص٩٠١
هذا الباب هو العلم الذي شمر إليه القوم . والغاية التي قصدوها . ولا ريب أنهم قصدوا معنى صحيحا وعبروا عنه بالوجود . واستدلوا عليه بهذه الآيات ونظيرها . ولكن ليس مقصودهم ما تضمنه الوجدان في هذه الآيات . فإنه وجدان المطلوب تعلق باسم أو صفة . قال اللّه تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
[ النّساء : 64 ] فهذا وجود مقيد بظفرهم بمغفرة اللّه ورحمته لهم . وكذلك قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
( 110 ) [ النّساء : 110 ] ومعناه أنه يجد ما ظنه من مغفرة اللّه له حاصلة . وكذلك
وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
[ النّور : 39 ] فهذا وجدان الكافر لربه عند حسابه له على أعماله . وليس هذا هو الوجود الذي يشير القوم إليه . بل منه الأثر المعروف « ابن آدم ، اطلبني تجدني . فإن وجدتني وجدت كل شيء . وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء » ومنه الحديث « أنا عند ظن عبدي بي » ومنه الأثر الإسرائيلي : أن موسى قال : « يا رب أين أجدك ؟ قال : عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » ومنه الحديث الصحيح « إن اللّه تعالى يقول يوم القيامة : عبدي . استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب كيف أطعمك ، وأنت رب العالمين ؟ قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه . أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي . عبدي ، استسقيتك فلم تسقني ، قال : يا رب كيف أسقيك ، وأنت رب العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي . عبدي ، مرضت فلم تعدني . قال : يا رب ، كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : مرض عبدي فلان فلم تعده . أما لو عدته لوجدتني عنده » . فتأمل قوله في الإطعام والإسقاء « لوجدت ذلك عندي » وقوله في العيادة « لوجدتني عنده » ولم يقل : لوجدت ذلك عندي ، إيذانا بقربه من المريض . وأنه عنده ، لذله وخضوعه ، وانكسار قلبه ، وافتقاره إلى ربه . فأوجب ذلك وجود اللّه عنده . هذا ، وهو فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه ، وهو عند عبده . فوجود العبد عند ربه : ظفره بالوصول إليه « 1 » . والناس ثلاثة : سالك ، وواصل ، وواجد . فإن قلت : اضرب لي مثلا ، أفهم به معنى الوصول في هذا الباب والوجود . قلت : إذا بلغك أن بمكان كذا وكذا كنزا عظيما ، من ظفر به ، أو بشيء منه ، استغنى غنى الدهر ، وترحّل عنه العدم والفقر . فتحركت نفسه للسير إليه . فأخذ في التأهب للمسير . فلما جدّ به السير انتهى إلى الكنز ووصل إليه . ولكن لم يظفر بتحويله إلى داره ، وحصوله عنده بعد . فهو واصل غير واجد ، والذي في الطريق سالك . والقاعد عن الطلب منقطع . وآخذ الكنز - بحيث حصل عنده ، وصار في داره - واجد . فهذا المعنى حوله حام القوم . وعليه دارت إشاراتهم فعندهم التواجد بداية . والواجد واسطة . والوجود نهاية . ومعنى ذلك : أنه في الابتداء يتكلف التواجد . فيقوى عليه حتى يصير واجدا . ثم يستغرق في وجده حتى يصل إلى موجوده .
هامش
( 1 ) وكل هذا بعيد جدا عن « الوجود » الذي يقصدونه .