تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 899

مساهمون:

ص٨٩٩
معاوضة منهم . وأما المخلوق : فإنه يريد العوض لكن الأعواض تتفاوت . ومن يطلب منه العوض يختلف . والمقصود : أن قوله « لا لأنفسهم » ليس على إطلاقه ، وفي أثر إلهي « ابن آدم ، كلّ يريدك لنفسه . وأنا أريدك لك » . قوله « ثم هي للأئمة الربانيين ، الصادرين عن وادي الجمع » يعني : الذين فنوا في الجمع ثم حصلوا في البقاء بعد الفناء . فذلك صدورهم عن وادي الجمع . قوله « المشيرين عن عينه » يعني : الذين إذا أشاروا أشاروا عن عين لا عن علم . فإن الإشارة تختلف باختلاف مصدرها . فإشارة عن علم وإشارة عن كشف ، وإشارة عن شهود ، وإشارة عن عين « 1 » . قد عرفت أن هذا الباب مبناه على محو الأسباب ، وعدم الالتفات إليها والوقوف معها . ولهذا سمى المصنف نصبها « تلبيسا » . ونحن نقول : إن الدين هو إثبات الأسباب ، والوقوف معها ، والنظر إليها ، والالتفات إليها ، وإنه لا دين إلا بذلك . كما لا حقيقة إلا به . فالحقيقة والشريعة : مبناهما على إثباتها ، لا على محوها ، ولا ننكر الوقوف معها . فإن الوقوف معها فرض على كل مسلم . لا يتم إسلامه وإيمانه إلا بذلك . واللّه تعالى أمرنا بالوقوف معها . بمعنى أنا نثبت الحكم إذا وجدت . وننفيه إذا عدمت . ونستدل بها على حكمه الكوني . فوقوفنا معها - بهذا الاعتبار - هو مقتضى الحقيقة والشريعة . وهل يمكن حيوانا أن يعيش في هذه الدنيا إلا بوقوفه مع الأسباب ؟ فينتجع مساقط غيثها ومواقع قطرها . ويرعى في خصبها دون جدبها ، ويسالمها ولا يحاربها . فكيف وتنفسه في الهواء بها ، وتحركه بها ، وسمعه وبصره بها ، وغذاؤه بها ، ودواؤه بها ، وهداه بها ، وسعادته وفلاحه بها ؟ وضلاله وشقاؤه بالإعراض عنها وإلغائها . فأسعد الناس في الدارين : أقومهم بالأسباب الموصلة إلى مصالحهما . وأشقاهم في الدارين : أشدهم تعطيلا لأسبابهما . فالأسباب محل الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، والنجاح والخسران . وبالأسباب عرف اللّه . وبها عبد اللّه . وبها أطيع اللّه . وبها تقرب إليه المتقربون . وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنته . وبها نصر حزبه ودينه . وأقاموا دعوته . وبها أرسل رسله وشرع شرائعه . وبها انقسم الناس إلى سعيد وشقي ، ومهتد وغوي . فالوقوف معها والالتفات إليها والنظر إليها : هو الواجب شرعا ، كما هو الواقع قدرا . ولا تكن ممن غلظ حجابه وكثف طبعه ، فيقول : لا نقف معها وقوف من يعتقد أنها مستقلة بالإحداث والتأثير . وأنها أرباب من دون اللّه ، فإن وجدت أحدا يزعم ذلك ، ويظن أنها أرباب ، وآلهة مع اللّه مستقلة بالإيجاد ، أو إنها عون للّه يحتاج في فعله إليها ، أو إنها شركاء له : فشأنك به . فمزق أديمه . وتقرب إلى اللّه بعداوته ما استطعت . وإلا فما هذا النفي لما أثبته اللّه ؟ والإلغاء لما اعتبره ؟ والإهدار لما حققه ؟ والحط والوضع لما نصبه ؟ والمحو لما كتبه ؟ والعزل لما ولاه فإن زعمت أنك تعزلها عن رتبة الإلهية فسبحان اللّه من ولاها هذه الرتبة حتى تجعل سعيك في عزلها عنها ؟ .
هامش
( 1 ) هذا بعيد من صريح قوله الظاهر في عين ذات ربه . وسبحان اللّه .