تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 898

مساهمون:

ص٨٩٨
غفلاتهم . بل يقومون فيهم بالنصيحة لهم ، والأمر لهم بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة لهم إلى اللّه . فيرحمون بهم . وينالون بهم سعادة الدنيا والآخرة . فهم يتصرفون مع الخلق بحكم العلم والشرع . وأحوالهم ومقاماتهم بينهم وبين اللّه خاصة . قوله « والتلبيس الثالث : تلبيس أهل التمكين على العالم ، ترحما عليهم بملابسة الأسباب ، وتوسعا على العالم ، لا على أهل الإيمان . وهذه درجة الأنبياء . ثم هي للأئمة الربانيين ، الصادرين عن وادي الجمع ، المشيرين عن عينه » . هذا أيضا من النمط الأول ، مما ينكر لفظه وإطلاقة غاية الإنكار . ويجب على أهل الإيمان محو هذا اللفظ القبيح . وإطلاقه في حق الأنبياء . وكيف تتسع مسامع المؤمن ليسمع أن الأنبياء لبّسوا على الناس بأي اعتبار كان ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ! بل الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - كشفوا عن الناس التلبيس الذي لبسوه على أنفسهم . ولبّسه عليهم طواغيتهم . فجاؤوا بالبيان والبرهان وشياطينهم :
وكان الناس في لبس عظيم * فجاؤوا بالبيان فأظهروه وكان الناس في جهل عظيم * فجاؤوا باليقين فأذهبوه وكان الناس في كفر عظيم * فجاؤوا بالرشاد فأبطلوه
والمصنف من أثبت الناس قدما في مقام الإيمان بالرسل وتعظيمهم ، وتعظيم ما جاؤوا به ، ولكن لبّس عليه في ذلك ما لبس على غيره « 1 » . واللّه يغفر لنا وله . ويجمع بيننا وبينه في دار كرامته . وقد صرح بأن أهل التمكين هم الأنبياء والأئمة بعدهم . وجعل هذه الدرجة من التلبيس لهم . ثم فسروها بأنها تلبيس ترحم ، وتوسيع على العالم . ومقصوده : أنهم يأمرونهم بتعاطي الأسباب رحمة لهم ، وتوسيعا عليهم . مع علمهم بأنها لا أثر لها في خلق ولا رزق ، ولا نفع ولا ضر ، ولا عطاء ولا منع ، بل اللّه وحده هو الخالق الرازق ، الضار النافع ، المعطي المانع . لكن لما علموا عجز الناس عن إدراك ذلك والتحقق به : لبسوا عليهم . وستروهم بالأسباب ، رحمة بهم وتوسيعا عليهم « 2 » . فهذه الدرجة تتضمن الرجوع إلى الأسباب رحمة وتوسيعا ، مع الانقطاع عن الالتفات إليها ، والوقوف معها تجريدا وتوحيدا . قوله « لا لأنفسهم » يعني : أنه أمرهم بالأسباب إحسانا إليهم ، وتوسيعا عليهم . لا لحظ الآمر ، وجر النفع إلى نفسه . بل لقصد الإحسان إلى الخلق ، وحصول النفع لهم . وهذا قريب . مع أن فيه ما فيه لمن تأمله . فإن من أمر غيره بمصلحة وقصد نفعه : فبنفسه يبدأ . ولها ينفع أولا . ومصلحتها لا بد أن تكون قد حصلت قبل مصلحة المأمور . والإحسان إلى نفسه قصد بإحسانه إلى غيره . فإنه عبد فقير محتاج . واللّه وحده هو الغني بذاته ، الذي يحسن إلى خلقه لا لأجل
هامش
( 1 ) وهل يلبس على راسخ في العلم ثابت القدم في الإيمان ؟ سبحان اللّه . ( 2 ) وهذا قول الفلاسفة في حق الأنبياء . وهو قول ابن عربي وغيره من شيوخ الصوفية . لأن الرسل - عندهم - ما كانوا يعرفون الحقيقة ، أو ربما عرفوها ولبسوا على العامة فلم يظهروها . لضعف قواهم عن احتمالها .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 898 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى