قال : « والتلبيس الثاني : تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها . وعلى الكرامات بكتمانها »
إطلاق « التلبيس » على هذه الدرجة أولى من إطلاقه على الدرجة الأولى . فإن التلبيس في هذه الدرجة راجع إلى فعل العبد . وفي الأولى إلى فعل الرب . ولهذا لما كان تسمية الدرجة الأولى تلبيسا شنيعا جدا ، وطّأ له بذكر قوله تعالى :
وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
[ الأنعام : 9 ] أي لا تستوحش من إطلاق ذلك على اللّه . فإنه قد أطلقه على نفسه . وقد عرفت ما فيه .
والمقصود : أن العبد يقوي إخلاصه للّه ، وصدقه ومعاملته ، حتى لا يحب أن يطلع أحد من الخلق على حاله مع اللّه ومقامه معه . فهو يخفي أحواله غيرة عليها من أن تشوبها شائبة الأغيار .
ويخفي أنفاسه خوفا عليها من المداخلة . وكان بعضهم إذا غلبه البكاء ، وعجز عن دفعه قال : لا إله إلا اللّه . ما أمرّ الزكام ! فالصادق إذا غلب عليه الوجد والحال ، وهاج من قلبه لواعج الشوق :
أخلد إلى السكون ما أمكنه . فإن غلب : أظهر ألما ووجعا ، يستر به حاله مع اللّه . كما أظهر إبراهيم الخليل صلى اللّه عليه وسلم لقومه أنه سقيم ، حين أراد أن يفارقهم . ويرجع بذلك الوارد وتلك الحال إلى الآلهة الباطلة . فيجعلها جذاذا « 1 » .
فالصادقون يعملون في كتمان المعاني ، واجتناب الدعاوي . فظواهرهم ظواهر الناس .
وقلوبهم مع الحق تعالى . لا تلتفت عنه يمنة ولا يسرة . فهم في واد ، والناس في واد .
فقوله : « تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها » يعني : أنهم يغارون على الأوقات التي عمرت لهم باللّه ، وصفت لهم أن يظهروها للناس . وإن اطلع غيرهم عليها من غير قصدهم لكشفها وإظهارها : لم يقدح ذلك في طريقهم فلا يفزعون إلى الجحد والإنكار ، وشكاية الحال .
بل يسعهم الإمساك عن الإظهار والجحد .
قوله « وعلى الكرامات بكتمانها » يعني : أنهم يغارون على كراماتهم أن يعلم بها الناس .
فهم يخفونها أبدا غيرة عليها ، إلا إذا كان في إظهارها مصلحة راجحة : من حجة أو حاجة ، فلا يظهرونها إلا لحجة على مبطل ، أو حاجة تقتضي إظهارها .
قوله « والتلبيس بالمكاسب والأسباب . وتعليق الظواهر بالشواهد والمكاسب تلبيس على العيون الكليلة والعقول العليلة » يعني : أن « التلبيس » المذكور إنما يكون على العيون الكليلة ، أي أهل الإحساس الضعيف ، و « العقول العليلة » هي المنحرفة التي لا تدرك الحق لمرض بها .
قوله « مع تصحيح التحقيق عقدا وسلوكا ومعاينة » يعني : أن هذه الطائفة يلبسون على أهل العيون الكليلة أحوالهم وكراماتهم بسترهم لها عنهم . مع كونهم قائمين بالتحقيق اعتقادا وسلوكا ومعاينة . فهم معتقدون للحق ، سالكون الطريق الموصلة إلى المقصود ، أهل مراقبة وشهود .
قوله « وهذه الطائفة : رحمة من اللّه على أهل التفرقة والأسباب في ملابستهم » .
وإنما كانوا رحمة من اللّه عليهم من وجهين . أحدهما : أنهم ذاكرون اللّه بين الغافلين . وفي وسطهم يرحمهم اللّه بهم . فإنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم . الثاني : أنهم لا يتركونهم في
هامش
( 1 ) وأين مقصد الخليل عليه السلام من مقصد هؤلاء ؟ .