تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 896

مساهمون:

ص٨٩٦
والمقصود : أن القرآن - بل وسائر كتب اللّه - تضمنت تعليق الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين ، وتعليق المعارف بالوسائط ، والقضايا بالحجج والأحكام بالعلل ، والانتقام بالجنايات ، والمثوبات بالطاعات . فإن كان هذا تلبيسا عاد الوحي والشرع والكتب الإلهية تلبيسا . نعم . التلبيس على من ظن أن ذلك التعليق على وجه الاستقلال . بقطع النظر عن مسبب الأسباب ، وناصب الحكم والعلل . فإن كان مراده : أنه لبس الأمر على هؤلاء ، فلم يهتدوا إلى الصواب . فأبعد اللّه من ينتصر لهم ، ويذب عنهم . فإنهم أضل من الأنعام . وإن كان المراد : من أثبت الأسباب والحكم والعلل ، وعلق بها ما علقه اللّه بها من الحكم والشرع ، وأنزلها بالمحل الذي أنزلها اللّه به ، ووضعها حيث وضعها - فقد لبس عليه . فنحن ندين اللّه بذلك وإن سمي تلبيسا ، كما ندين بإثبات القدر ، وإن سمي جبرا . وندين بإثبات الصفات وحقائق الأسماء ، وإن سمي تجسيما . وندين بإثبات علو اللّه على عرشه فوق سماواته ، وإن سمي تحيزا أو جهة . وندين بإثبات وجهه الأعلى ، ويديه المبسوطتين ، وإن سمي تركيبا . وندين بحب أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإن سمي نصبا . وندين بأنه مكلم متكلم حقيقة كلاما يسمعه من خاطبه ، وأنه يرى بالأبصار عيانا حقيقة يوم لقائه . وإن سمي ذلك تشبيها . ويا للّه العجب ! أليست الكوائن كلها متعلقة بالأسباب ؟ أوليس الرب تعالى - كلّ وقت - يسوق المقادير إلى المواقيت التي وقّتها لها ، ويظهرها بأسبابها التي سبّبها لها ، ويخصها بمحالها من الأعيان والأمكنة والأزمنة التي عينها لها ؟ أوليس قد قدر اللّه المقادير . وسبب الأسباب التي تظهر بها . ووقت المواقيت التي تنتهي إليها ، ونصب العلل التي توجد لأجلها . وجعل للأسباب أسبابا أخر تعارضها وتدافعها ؟ فهذه تقتضي آثارها . وهذه تمنعها اقتضاءها ، وتطلب ضد ما تطلبه تلك . أوليس قد رتب الخلق والأمر على ذلك ، وجعله محل الامتحان والابتلاء والعبودية ؟ أوليس عمارة الدارين - أعني الجنة والنار - بالأسباب والعلل والحكم ؟ ولا حاجة بنا أن نقول : وهو الذي خلق الأسباب ونصب العلل . فإن ذكر هذا من باب بيان الواضحات التي لا يجهلها إلا أجهل خلق اللّه تعالى ، وأقلهم نصيبا من الإيمان والمعرفة . أوليس القرآن - من أوله إلى آخره - قد علقت أخباره وقصصه عن الأنبياء وأممهم ، وأوامره ونواهيه وزواجره ، وثوابه وعقابه : بالأسباب ، والحكم والعلل ؟ وعلقت فيه المعارف بالوسائط ، والقضايا بالحجج ، والعقوبات والمثوبات بالجنايات والطاعات ؟ . أوليس ذلك مقتضى الرسالة ، وموجب الملك الحق ، والحكمة البالغة ؟ . نعم . مرجع ذلك كله إلى المشيئة الإلهية المقرونة بالحكمة والرحمة والعدل ، والمصلحة والإحسان ، ووضع الأشياء في مواضعها ، وتنزيلها في منازلها . وهو سبحانه الذي جعل لها تلك المواضع والمنازل ، والصفات والمقادير . فلا تلبيس هناك بوجه ما . وإنما التلبيس في إخراج الأسباب عن مواضعها وموضوعها وإلغائها . أو في إنزالها غير منزلتها . والغيبة بها عن مسببها وواضعها . وباللّه التوفيق .