تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 894

مساهمون:

ص٨٩٤
والأمر ، ومظهر الأسماء والصفات - فهو بجميع ما فيه شواهد وأدلة وآيات . دعا اللّه سبحانه عباده إلى النظر فيها ، والاستدلال بها على وجود الخالق « 1 » ، والاعتبار بما تضمنته من الحكم والمصالح والمنافع على علمه وحكمته ، ورحمته وإحسانه ، وبما تضمنته من العقوبات على عدله . وأنه يغضب ويسخط ، ويكره ويمقت . وبما تضمنته من المثوبات والإكرام على أنه يحب . ويرضى ويفرح . فالكون - بجملة ما فيه - آيات وشواهد وأدلة . لم يخلق اللّه منها شيئا تلبيسا ، ولا وسطه عبثا . ولا خلقه سدى . فالأسباب والوسائط والعلل محل ادكار المتفكرين ، واعتبار الناظرين ، ومعارف المستدلين
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
( 75 ) [ الحجر : 75 ] وكم في القرآن من الحث على النظر والاعتبار بها ، والتفكر فيها . وذم من أعرض عنها . والإخبار بأن النظر فيها والاستدلال : يوجب العلم والمعرفة بصدق رسله ؟ فهو آيات كونية مشاهدة تصدق الآيات القرآنية ؟ ! ! . فما علق بها آثارها سدى . ولا رتب عليها مقتضياتها وأحكامها باطلا . ولا جعل توسيطها تلبيسا البتة . بل ذلك موجب كماله وكمال نعوته وصفاته . وبها عرفت ربوبيته وإلهيته ، وملكه وصفاته وأسماؤه . هذا ولم يخلقها سبحانه عن حاجة منه إليها ، ولا توقفا لكماله المقدس عليها . فلم يتكثر بها من قلة . ولم يتعزز بها من ذلة . بل اقتضى كماله : أن يفعل ما يشاء ، ويأمر ويتصرف ويدبر كما يشاء ، وأن يحمد ويعرف ، ويذكر ويعبد . ويعرف الخلق صفات كماله ونعوت جلاله . ولذلك خلق خلقا يعصونه ويخالفون أمره ، لتعرف ملائكته وأنبياؤه ورسله ، وأولياؤه : كمال مغفرته ، وعفوه ، وحلمه وإمهاله . ثم أقبل بقلوب من شاء منهم إليه ، فظهر كرمه في قبول توبته ، وبره ولطفه في العود عليه بعد الإعراض عنه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم » فلمن كانت تكون مغفرته لو لم يخلق الأسباب التي يعفو عنها ويغفرها ؟ والعبد الذي له يغفر ؟ فخلق العبد المغفور له ، وتقدير الذنب الذي يغفر . والتوبة التي يغفر بها : هو نفس مقتضى العزة والحكمة . وموجب الأسماء الحسنى ، والصفات العلا - ليس من التلبيس في شيء . فتعليق الكوائن بالأسباب كتعليق الثواب والعقاب بالأسباب . ولهذا سوى صاحب المنازل بين الأمرين . وهو محض الحكمة وموجب الكمال الإلهيّ . ومقتضى الحمد التام ومظهر صفة العزة والقدرة والملك ، والشرائع كلها من أولها إلى آخرها - مبنية على تعليق الأحكام بالعلل ، والقضايا بالحجج ، والثواب بالطاعة ، والعقوبات بالجرائم . فهل يقال : إن الشرائع كلها تلبيس . بأي معنى فسر التلبيس ؟ . ولعمر اللّه ، لقد كان في غنية عن هذا الباب ، وعن هذه التسمية . ولقد أفسد الكتاب بذلك « 2 » . هذا ولا يجهل محل الرجل من العلم والسنة ، وطريق السلوك ، وآفته وعلله ولكن قصده
هامش
( 1 ) قد حقق في مواضع من كتبه رحمه اللّه . أن مظاهر الأسماء والصفات . دوال على استحقاقه وحده للعبادة . ( 2 ) ومتى صلح ؟ وكيف - مع هذا - وأين يكون محله من الكتاب والسنة ؟ إن كان في رده على الجهمية . ففي منازله أعظم ترويح لما هو شر من قول الجهمية .