تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 838

مساهمون:

ص٨٣٨
وحرم اللّه سبحانه السكر لشيئين ، ذكرهما في كتابه ، وهما إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين ، والصدّ عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، وذلك يتضمن حصول المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل ، وانتفاء المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل ، وإيقاع العداوة من الأول ، والصدّ عن ذكر اللّه من الثاني . وقد يكون سبب السكر غير تناول المسكر : إما ألم شديد يغيب به العقل ، حتى يكون كالسكران . وقد يكون سببه مخوف عظيم هجم عليه وهلة واحدة حتى يغيب عقل من هجم عليه . ومن هذا قوله تعالى :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
[ الحجّ : 2 ] فهم سكارى من الدهش والخوف . وليسوا بسكارى من الشراب ، فسكرهم سكر خوف ودهش ، لا سكر لذة وطرب . وقد يكون سببه قوة الفرح بإدراك المحبوب ، بحيث يختلط كلامه ، وتتغير أفعاله ، بحيث يزول عقله ، ويعربد أعظم من عربدة شارب الخمر ، وربما قتله سكر هذا الفرح لسبب طبيعي . وهو انبساط دم القلب وهلة واحدة انبساطا غير معتاد ، والدم حامل الحار الغريزي ، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه ، فيحدث الموت . ومن هذا قول سكران الفرح بوجد راحلته في المفازة ، بعد أن استشعر الموت « اللهم أنت عبدي وأنا ربك » أخطأ من شدة فرحه . وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب . فصور في نفسك حال فقير معدم ، عاشق للدنيا أشد العشق ، ظفر بكنز عظيم . فاستولى عليه آمنا مطمئنا ، كيف تكون سكرته أو من غاب عنه غلامه بمال له عظيم مدة سنين ، حتى أضرّ به العدم ، فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله ، وقد كسب أضعافه ؟ . وقد يوجبه غضب شديد ، يحول بين الغضبان وبين تمييزه . بل قد يكون سكر الغضب : أقوى من سكر الطرب . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لا يقض القاضي بين اثنين وهو غضبان » ولا يستريب من شمّ رائحة الفقه : أن الغضب إذا وصل بصاحبه إلى هذه الحال ، فطلق : لم يقع طلاقه . وقد نص الإمام أحمد على أن « الإغلاق » الذي قال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم « لا طلاق ولا عتاق في إغلاق » أنه الغضب . وقال أبو داود : أظنه الغضب . والشافعي سمى نذر اللّجاج والغضب نذر الغلق . وذلك لأن الغضبان قد انغلق عليه باب القصد والتمييز بشدة غضبه ، وإذا كان الإكراه غلقا فالغضب الشديد أولى أن يكون غلقا . وكذلك السكر غلق ، والجنون غلق . فالغلق - والإغلاق أيضا - كلمة جامعة لمن انغلق عليه باب القصد والتمييز بسبب من الأسباب . وقد أشبعنا الكلام في هذا في كتابنا المسمى « إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان » . ومن أسباب السّكر : حب الصور وغيرها ، سواء كانت مباحة أو محرمة ، فإن الحب إذا استحكم وقوي : أسكر صاحبه . وهذا مشهور في أشعارهم وكلامهم . كما قال الشاعر :
سكران : سكر هوى ، وسكر مدامة * ومتى إفاقة من به سكران ؟
وقال آخر من أبيات :
تسقيك من عينها خمرا ، ومن يدها * خمرا . فما لك من سكرين من بدّ ؟ لي سكرتان . وللندمان واحدة * شيء خصصت به من بينهم وحدي
وفي « المسند » عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حبك الشيء يعمي ويصم » أي يعمي عن رؤية مساوىء