تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 797

مساهمون:

ص٧٩٧
وجوده ، فنور الوجود قد غشي مشاهدته لحاله . ولم يصل إلى مقام الجمع ، بل قد أناخ بفنائه ، و « الوجود » عنده هو حضرة الجمع ، ويسمى « حضرة الوجود » . قوله « منيخة بفناء الجمع » يعني : قد شارفت مشاهدته لحاله منزل الجمع ، وأناخت به ، وتهيأ لدخوله . وهذه استعارة . فكأنه مثّل المشاهد بالمسافر ، ومثّل مشاهدته بناقته التي يسافر عليها . فإنها الحاملة له ، وشبه « حضرة الجمع » بالمنزل والدار ، وقد أناخ المسافر بفنائها . وهذا إشارة منه إلى إشرافه عليها ، وأن نور الوجود لا يلوح إلا منها . قال : « الدرجة الثانية : مشاهدة معاينة . تقطع حبال الشواهد . وتلبس نعوت القدس . وتخرس ألسنة الإشارات » . إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها ، لأن تلك الدرجة مشاهدة برق عن العلم النظري بالتوحيد . وتمكنت في وجود التوحيد ، حتى صار صاحبها يرى الأسباب كلها عن واحد متقدم عليها . لا أول لوجوده ، حالا وذوقا ، وأناخ بفناء الجمع ليتبوأه منزلا لتوحيده ، ولكنه بعد لم يكمل استغراقه عن شهود رسمها بالكلية ، فشواهد الرسوم بعد معه . وصاحب هذه الدرجة : قد انقطعت عنه حبال الشواهد ، وتمكن في مقام المشاهدة ، وتطهر من نعوت النفس ، ولبس نعوت القدس ، فتطهر من الالتفات إلى غير مشهوده ، فخرس لذلك لسانه عن الإشارة إلى ما هو فيه . فهذه المشاهدة عنده فوق « مشاهدة المعرفة » لأن تلك من لوائح نور الوجود ، وهذه مشاهدة الوجود نفسه ، لا بوارق نوره ، فهي أعلى ، لأنها مشاهدة عيان ، والعيان والمعاينة : أن تقع العين في العين . وقد عرفت أن هذا مستحيل في الدنيا ، ومن جوّزه فقد أخطأ أقبح الخطأ ، وتعدى مقام الرسل ، وإنما غاية ما يصل إليه العارف : مزيد إيمان ويقين ، بحيث يعبد اللّه كأنه يراه ، لقوة يقينه وإيمانه بوجوده وأسمائه وصفاته ، وأن « الأنوار واللوامع ، والبوارق » إنما هي أنوار الإيمان والطاعات : من الذكر ، وقراءة القرآن ونحوها . أو هي أنوار استغراقه في مطالعة الأسماء والصفات ، وإثباتها والإيمان بها . بحيث يبقى كالمعاين لها ، فيشرق على قلبه نور المعرفة . فيظنه نور الذات والصفات . وتقدم بيان السبب الموقع لهم في ذلك ، وأنهم لا يمكن رجوعهم في ذلك إلى المحجوبين الذين غلظ في هذا الباب حجابهم ، وكثفت عن إدراكه أرواحهم ، وقصرت عنه علومهم ومعارفهم ، ولم يكادوا يظفرون بذائق صحيح الذوق يفصل لهم أحكام أذواقهم ومشاهدتهم ، وينزلها منازلها ، ويبين أسبابها وعللها ، فوجود هذا أعز شيء ، والقوم لهم طلب شديد وهمم عالية . ومطلبهم وهممهم - عندهم - فوق مطالب الناس وهممهم « 1 » فتشهد أرواحهم مقامات
هامش
( 1 ) أين مطالب الذين يدعون الناس إلى تقديسهم وعبادتهم من دون اللّه من مطالب المؤمنين المتقين أولياء اللّه الذين يعبدونه وحده ، ولا يعبدونه إلا بما شرع ، فيتحرون طاعة اللّه وطاعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ؟ ! والواقع : أن مطلب شيوخ الصوفية أخس مطلب وهمتهم أحط همة . لأنهم إنما يتكلفون في القول ويزوقونه ويغربون باختلاق اصطلاحات فلسفية يونانية هندية ، ويتظاهرون بإجهاد أنفسهم في مشاق الأعمال : ليخلبوا عقول العامة فيتبوؤوا ، بذلك من الرياسة ما يدعوه إليه شيطان استكبارهم على اللّه وعلى شرائعه ، كانوا أخبر اللّه عنهم في سورة النحل وغيرها .